التسامح في العلاقة الزوجية سعادة مطلقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

»إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق«.. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

التسامح خلق عظيم، ومنهج قويم، لمن أراد أن يسعد في علاقاته مع الآخرين، ومن أعظم العلاقات التي يحرص عليها السعيد هي العلاقة الزوجية، هنا تكمل السعادة، ويظهر المعنى الحقيقي للاستقرار، لأن الإنسان إذا لم يحتوه بيته، لا شك أنه سيعاني..

وقد يعاني كثيراً أو يسيراً بحسب الحال والشخصية، إلا أن الكل يتفق أن الاستقرار الأسري هو ركن من أركان سعادة المرء وصحته النفسية، وكما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام »الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة«..

وجاء أيضاً في الحديث الذي يبين حال آخر الزمان وكثرة الفتن، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دل السائل عن المخرج من الفتن بقوله له: »الزم بيتك«، والبيت هنا يشمل الأهل، فكأنه أعطاه العلاج والحل والمخرج، ألا وهو الاستقرار الأسري في البيت الواحد.

وأن المرء إذا وجد راحته في بيته عاش سعيداً ومستقراً وصحيحاً، لذا علينا جميعاً أن نفعل مبدأ التسامح ومبدأ العفو عن الآخر وفتح صفحة جديدة في علاقاتنا الأسرية، بخلاف لو تعامل الإنسان مع الطرف الآخر بغلظة وعناد وعنف والأخذ بالزلات، هنا ستضيق العلاقة بين الطرفين، وستبدأ المشاكل وسوء الفهم، والتحدي في قاعات المحاكم.

من الخطأ أن يبقى الزوجان في سجن الماضي، ويتعاملان مع بعضهما البعض بالمحاسبة على كل صغير وكبير، والبحث عن الزلات، والتفنن في إلقاء التهم، بل عليهما أن يتعاونا وينشرا التسامح بينهما وعذر الآخر، فالعفو عز وبركة، وليس ذلاً وهواناً كما يدعي البعض، حياتنا الأسرية تحتاج منا أن نجعلها رفيقة هينة، فيها الثقة وفيها المودة، كما أنك تستحق الثناء لو وقفت مع صديقك عند خطئه.

فأنت أيضاً تستحقه من باب أولى إذا وقفت مع شريك حياتك، هذا الشريك الذي تحسسه أنك معه في كل وقتك، معه في السر والعلن، والضعف والقوة، والصحة والمرض، والسراء والضراء، تأخذ بيده إذا وقع، تسانده إذا تردد، تشجعه إذا تزعزع، تفرح بنجاحه، تصبره عند حزنه، تؤكد له قيمته وكرامته، تلطف معه، تحتسب الأجر معه..

كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام »لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك« حديث عظيم يبين لنا كيف أن الزوج يؤجر على الطعام الذي تضعه المرأة في فمها، يؤجر لو أعطاها لقمة بيده، ولو كانت يسيرة، ولو كانت تكلف الدرهم والدرهمين، تؤجر المرأة على إطعامها زوجها أيضا، تؤجر على طاعتها له، حياتهما تكون مليئة بالأجور والبركة، وما هذه الجوائز الربانية إلا لبيان عظيم العلاقة الزوجية في الإسلام والحرص على الصلح والاستقرار فيها.

على الزوجين أن لا يتأثرا ببعض الأفكار المخربة، بعض الأفكار التي تنادي بتضييع العلاقات الزوجية، بعض المقالات والدعايات التي تريد من الحياة الزوجية أنها ملل ومرض وتعب وذل، بعض الأفكار التي تدعو المرأة بعدم طاعة زوجها، بعض الأفكار التي تشجع الرجل على العنف مع زوجته، عليهما أن يكونا فطنين، متحابين، متعاونين، يبقيا أمورهما بينهما بقدر المستطاع..

ولا يفتحا مجالاً للمخربين، ولا يستشيرا من هو ليس بأهل لمهنة الاستشارات الأسرية، إن كره منها الزوج أمر رضي منها آخر، إن ذكرت هي بعض سلبياته، عليها أن ترجع إلى كثير حسناته معها، يقنعان ببعضهما البعض، يقنع هو باختياره وتقنع هي بحال زوجها، لا تنظر الزوجة فقط إلى حال صديقاتها الموسرات، وهو لا يقارن زوجته بالأخريات، بل يرضيان بالحال، فالقناعة كنز، وهي السبيل إلى السعادة الزوجية.

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي

طباعة Email