عائشة.. الصديقة بنت الصديق

ت + ت - الحجم الطبيعي

عائشة، أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، ولدت هذه الفاضلة في الإسلام، وعاشت طفولتها في كنف والدين مسلمين، ثم تزوجها نبي الأمة محمد ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ قبيل الهجرة بوحي من الله، ولم يدخل بها إلا في شوال سنة اثنتين من الهجرة، بعد غزوة بدر، وهي ابنة تسع سنوات، فكانت زوجته في الدنيا، وهي زوجته كذلك في الآخرة، روى البخاري أن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟، قال: عائشة، قال فمن الرجال؟، قال: أبوها.

عمار سعيد بن طوق المري، واعظ أول بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، يحدثنا عن مآثر أم المؤمنين، عائشة:

حياة أمنا، رضي الله عنها، حياة عامرة، مليئة بالخيرات والبركات، والعبر والعظات، فقد أوتيت من الخير والفضل والبر كله، فكانت من خير أهل زمانها، وليس حديثنا في هذه العجالة إلا عن قَبَس من حياتها، وهو المتعلق بما أنزله الله من (العلم)، الذي أصله وأساسه ومادته: وحي الله، هذا العلم فضلها الله فيه على جميع نساء العالمين، وهو روح هذه الأمة، إذ به تحولت من مرحلة الذل والتشرذم إلى مرحلة العز والتمكين والتآلف، حيث عرف به الإنسان المقصد من خلقه، وهو عبادة الله، عز وجل، فسعى إلى تحقيق ذلك في نفسه، ونشره بين الأنام.

ويمكن أن نقسم حياة أمنا، رضي الله عنها، بعد فترة الطفولة إلى مرحلتين أساسيتين:

مرحلة انتقالها إلى بيت النبوة، بدخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بها سنة 2 من الهجرة، إلى أن توفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة 11 من الهجرة، أي: أكثر من 8 سنوات.

مرحلة ما بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إلى أن توفيت ـ رضي الله عنها ـ سنة 57 أو 58 من الهجرة، أي: أكثر من 45 سنة.

فأما الأولى، فهي مرحلة النَّهَلِ من المعين الصافي، معين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والانتفاع به، والتربي والتأدب على يديه، والتخلق بأخلاقه، وحفظ علومه التي جاءت من الله، وتفهّمها، مع ما في هذه المرحلة من تبليغ وتعليم للعلم.

وأما الثانية، فهي مرحلة البلاغ والتعليم، بل والمرجعية فيه، وصلت إلى هذه المرحلة وما زالت في أوائل سن الشباب، فكانت أمنا ـ رضي الله عنها ـ الوجهة لكل طالب لعلوم النبوة.

ففي المرحلة الأولى رأت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعاشت معه، وراقبته بروحها قبل عينيها، وراجعته في كل ما يشكل عليها، حتى إنها تسمع الشيء لا تعرفه أو تمر بالآية فتستشكلها أو تقع لها الواقعة لا تعرف حكم الله فيها، فلا ترتاح حتى تسأل عن ذلك نبي الله، صلى الله عليه وسلم. ومن أمثلة ذلك: أنها سألت النبي، صلى الله عليه وسلم: عن قول الله ـ سبحانه: "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون": "أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟"، فقال، صلوات ربي وسلامه عليه: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات".

ومن ذلك: ما أخبرت به عن نفسها، قالت: "جاء عمي من الرضاعة يستأذن عَلَيّ، فأبيت أن آذن له علي حتى أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسألته، فقال: "إنه عمك، فَأْذَنِي له"، قالت: فقلت: "يا رسول الله!، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل"، فقال: "إنه عمك فَلْيَلِجْ عليك". ومن أمثلة ما يدل على مراقبتها أعماله وأقواله مراقبة دقيقة، وسبرها لأحواله: قولها في وصفه ـ صلى الله عليه وسلم: "ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ امرأة قط، ولا ضرب خادماً له قط، ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم". أي: لله لا لنفسه.

هذا التعطش للعلم، والطموح للتعلم، واستغلال فرصة مخالطتها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، جعلها في الفقه والفهم: "أفقه نساء الأمة على الإطلاق"، وجعلها في الرواية من أكثر الناس رواية، حتى بلغ ما روته عن النبي، صلى الله عليه وسلم: "ألفين ومئتين وعشرة أحاديث". ولهذا وصلت إلى ما وصلت إليه في مرحلتها الثانية، وهي مرحلة المرجعية في العلم والتعليم، والفقه والفتوى، والرأي والمشورة، والنصح والتوجيه. فعن أبي موسى ـ رضي الله عنه، قال: "ما أشكل علينا أصحابَ محمد، صلى الله عليه وسلم، حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً".

وسئل مسروق، رحمه الله، عن علمها بالفرائض "المواريث"، فقال: "والله لقد رأيت أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأكابر يسألونها عن الفرائض".

وكانت مع عموم نفعها لجميع المؤمنين والمؤمنات: تخص النساء بما يصلح لهن من النصائح والتوجيهات، فمن ذلك أنه دخلت عليها مولاة لها، فقالت لها: يا أم المؤمنين ! طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً، فقالت لها أمنا عائشة، رضي الله عنها: "لا آجركِ الله، لا آجركِ الله، تدافعين الرجال ؟! ألا كبَّرتِ ومررت ؟!". وذلك لعلمها بأن المرأة لا يصلح لها إلا البعد عن الأجانب، وعدم التساهل في الحشمة.

طباعة Email