نقف كل يوم عند محطة إنسانية تجلت فيها روعة التواصل بين الشعوب، وتظهر فيها يد الإمارات البيضاء الممتدة بالخير إلى جميع المحتاجين، في ترجمة عملية لشهر الخير والعطاء، كما نتنسم كل صباح عبق الذكر القرآني وبراعة التدبر والاستنباط تفاعلاً مع شهر القرآن.

جلست جاني على جانب الطريق تحاول إسكات طفلها الذي ألح بالبكاء، بثدي ضامر لا حليب فيه، لم تتراجع عندما رأتنا، عليها أن تسكت الطفل سريعاً وتكمل طريقها إلى المدرسة لاصطحاب بناتها الأربع إلى المنزل الذي يبعد 12 كيلومتراً، ولا تستطيع تركهن ليقطعن كل هذه المسافة البعيدة وحدهن.

جاني واحدة من نساء بوتاجيرا على بعد 350 كيلومتراً عن العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، التقتها «البيان» هناك، على قارعة الطريق بين الجبال الوعرة، في رحلتها مع «دبي العطاء» التي ذهبت إلى أقاصي الأرض لتوفير التعليم لأطفال لم يسمع به آباؤهم من قبل، فوجدت نفسها أكثر من ذلك تطارد الجوع ومآسي الحروب من أدغال أفريقيا إلى ثلوج أوروبا.

المسير الشاق والانتظار هو شغل جاني اليومي، ولكنها تفعله بسعادة لأنها لم تعد هي وزوجها يحملان هم طعام الفتيات، فالوجبة التي توزعها مدرسة «دبي العطاء» تكفيهن لليوم التالي.

بل تتمنى لو كانت هناك مدرسة من قبل، فقد مرت عليهم أيام لم يذوقوا فيها طعم الأكل ولم يشربوا نقطة ماء بسبب الجفاف والقحط الذي حل بالمنطقة، وهو ما يبدو جليا على صحة البنات اللواتي تحولن إلى هياكل عظمية.

وأكثر من ذلك تتمنى جاني لو كانت هناك مدرسة في زمانها فقد عاشت طوال حياتها في بيت من القش لم تخرج من المنطقة إطلاقاً ولا تحمل أي أوراق ثبوتية، كما أن أولادها غير مسجلين ولم يولدوا بمستشفيات أو مراكز صحية وهذه مشكلة كبرى، حيث إن ما يقرب من 35% من الأمهات يمتن أثناء الولاة ويعيش أطفالهن أيتاماً إن كتبت لهم الحياة.

ما رأيناه هناك في إثيوبيا كان من القسوة بما يؤكد ما قاله طارق القرق المدير التنفيذي لـ«دبي العطاء» عندما سألناه قبل أن نبدأ الرحلة عن الإحصاءات: «دعك من الإحصاءات.. الحقائق التي شهدتها شخصياً على أرض الواقع في زياراتي الميدانية إلى بعض أكثر البلدان فقراً لا تحتاج إلى أي إحصاءات لإظهار المحنة التي يمر فيها الناس ولا سيما الأطفال".

وعبر رحلتنا معه في بوتاجيرا، تلونت الوجوه التي تشابهت جميعها بعلامات المحنة حول العالم بأسره.. 69 مليون طفل في مرحلة التعليم الأساسي في البلدان النامية يذهبون إلى المدارس وهم يعانون الجوع، بينهم 23 مليون طفل في أفريقيا وحدها.

مجرد رقم قد نقرأه ونمضي، لكن معايشة مأساة طفل واحد من هذه الملايين تجعلنا نقف مربوطي اللسان من دون قدرة على الوصف.

أمراض وعلل وجوع وجهل، مأساة مركبة، وحين طرح التعليم كحل سحري لهذه المشاكل مجتمعة، كانت المعضلة: كيف للأطفال الذين لا يحصلون على التغذية تلقي التعليم واستيعاب دروسهم؟ العلاقة إذاً متبادلة وحلولها معقدة.

وفي واقع الأمر فإن الجوع هو الذي دفع جاني للقدوم إلى المدرسة، فهي لم تتورع عن الاعتراف بأنها تأتي إلى هنا فقط من أجل الوجبة التي توفرها «دبي العطاء»، كحل إبداعي منها تجذب من خلاله الأطفال لتلقي العلم.