لقد عرف في التاريخ الإسلامي قيام دولة المرابطين، حيث كان التشرذم والتفرق والدويلات، وكثرت الألقاب في الأندلس ومنها المعتمد والمستعين والمعتصم والمتوكل إلى غير ذلك من الألقاب في هذه الحالة التي وصفها الشاعر بقوله:

ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاضاً صولة الأسد

في ظل الأحوال المشينة التي شجعت الأعداء على شن حرب على المسلمين لطردهم من إسبانيا بدافع الحقد الصليبي. في حين وطّد يوسف بن تاشفين سلطانه في المغرب الأقصى وهو أحد الأمراء البارزين في التاريخ، ولقّب بعد انتصاره في معركة الزلاقة العظيمة بأمير المسلمين وناصر الدين وهو أعظم ملك مسلم في وقته، أسس أول إمبراطورية في الغرب الإسلامي من تونس إلى غانا جنوباً والأندلس شمالاً، ووحّد جميع ملوك الطوائف بدولته في المغرب.

الدكتور عبد الحليم إبراهيم حسن، كبير وعّاظ في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، يحدثنا عن هذا القائد المرابط في سبيل الله:

بعد معركة الواحات 448 هـ عينه الأمير أبو بكر اللمتوني والياً ودخل أغمات ودكها 449 هـ، وسار المرابطون وفي جملتهم يوسف نحو دولة برغواطة، وأصيب خلالها الإمام ابن ياسين حيث توفي على إثرها؛ فكان استشهاده بداية دفع يوسف إلى رئاسة الدولة.

صار يوسف قائداً وأميراً للمرابطين، وحد المغرب وضم الأندلس. خاض معركة الزلاقة ضد جيوش قشتالة وليون التي كان يقودها الملك ألفونسو السادس 12 رجب 479 ه واستدرك المسلمون بهذه الوقعة ضياع الأندلس.

إذ تحرك تحت قيادته 30 ألف رجل إلى الزلاقة. ودارت موقعة هي من أشهر المواقع الإسلامية في التاريخ إذ إن النصارى قد استعدوا لقدوم يوسف بن تاشفين فجمعوا عدداً ضخماً من المقاتلين بلغ أكثر من 300 ألف مقاتل من جميع الممالك فرنسا وإيطاليا وغيرها.

وكانت لحظات لم يعرفها الأندلسيون منذ سنوات بعد الهزيمة والذل وكان يوسف يأمر بقراءة سورة الأنفال، ويأمر الخطباء بتحفيز الناس على الجهاد وهو يقول: طوبى لمن أحرز الشهادة في سبيل الله. وقد رأى العالم والفقيه المالكي ابن الرميلة رسول الله وهو يقول له: «يا ابن الرميلة إنكم منصورون، وإنك ملاقينا».

فقام الشيخ وهو يعلم أنه رؤية الرسول، صلى الله عليه وسلم، حق وأيقظ الناس وأخبرهم ببشرى رسول الله. واستعد المسلمون للحرب يوم الجمعة بعد صلاة الفجر واستخدم يوسف خطة خالد بن الوليد رضي الله عنه إذ قسّم الجيش لثلاث فرق ثم قسم جيشه إلى فرقتين وارتاعت قلوب أعدائهم من كثرة عددهم، وأمد الله بنصره عبادة المؤمنين وقذف في قلوب المشركين الرعب. وهناك كانت مواقف يوسف بن تاشفين العجيبة حين ترك الغنائم لأهل الأندلس ولسان حاله يقول (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).

أجل لقد كان نجداً بطلاً شجاعاً مهاباً ضابطاً لملكه، متفقداً لرعيته، حافظاً لبلاده وثغوره، ومواظباً على الجهاد، مؤيداً منصوراً، زاهداً في الدنيا، لباسه الصوف، وأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها، نشأ وترعرع على تعاليم ابن ياسين رحمه الله، ونبغ في الحرب وفي السياسة الشرعية، وتتلمذ على يد الفقهاء العظام.

بنى مدينة مراكش 465 هـ، وجعلها عاصمة لملكه ومنها وحّد القبائل. عرف بالحزم في الجهاد، واللين والتواضع في الخير، وكأنه يتمثل عمر بن الخطاب في شخصيته، قال الذهبي: كان ابن تاشفين كثير العفو، مقرباً للعلماء وقال أيضاً كان حسن السيرة، خيّراً عادلاً.

وقال المستشرق يوسف أشباخ عنه: هو أحد أولئك الأفذاذ الذين يلوح أن القدر اصطفاهم لتغيير وجه الحوادث في التاريخ. رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين.