«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

عندما نصف شخصاً بالتسامح؛ فإن هذا يعني أنه شخص كريم، سهل، متواضع، يحب الخير للناس، يحافظ على حقوقهم، ويكرمهم، ولا يترفّع على الضعيف ومن هو أقل منه، وإنما يقترب منه ويعطيه حقه ويتواضع معه، وقد اختبر الله الناس باليتيم، لينظر ما هم عاملون معه، وكيف سيحافظون على حقه، وهو مكسور لا أب له، ولم يبلغ بعد، لذا جاء في الدين تأكيد حقه، بعد أن كان لا حق له في الجاهلية، ورتب العقاب العظيم على من أكل ماله واستغل ضعفه، كما قال تعالى: «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً»، وهذا العقاب تأكد لأن اليتيم ضعيف، والضعيف تكون المسؤولية تجاهه مضاعفة، فلما كان العكس استحق هذا المفرّط الجزاء المغلّظ، ومنع الله عباده من التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن «ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن»، وكما قال تعالى أيضاً «فأما اليتيم فلا تقهر» أي: لا تسئ معاملته، ولا يضيق صدرك عليه ولا تنهره، بل أكرمه وأعطه ما تيسر واصنع معه ما تحب أن تصنعه لولدك، وعد النبي عليه الصلاة والسلام أكل مال اليتيم من السبع الموبقات كما جاء في الحديث الصحيح، وفي المقابل جاء التشجيع والحث والمكافأة لمن أحسن إلى اليتيم وتعامل معه برفق وسهولة وكرم، قال عليه الصلاة والسلام: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى«، كما أكد سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أن إكرام اليتيم سبيل الفوز بالجنة، قال في وصف المؤمنين المتقين»ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً«إلى أن قال:»وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً«، وما هذه الجوائز والمكافآت الربانية لمن أحسن إلى اليتيم، إلا لبيان قيمة هذا الخلق في الإسلام، وأن الوعد بالجوائز هو من أهم أنواع المحفزات التي تثبت السلوك الحسن، كما يقول علماء السلوك، وهذا واضح، فلو أردت أن تشجع ولدك على سلوك إيجابي معين أغريته بالجائزة، وإذا أردت أن تحافظ على التميز عند الموظفين أيضاً استعملت معهم المحفزات، وهكذا الحال مع اليتيم عند اللطف معه، والتعامل معه بسماحة الدين.

إكرام اليتيم

جاءني يوماً أحد الأشخاص وشكا حاله، وأنه يعاني ضيقاً ويأساً من بعض المصائب التي ألمّت به، فقدمت له النصح والتوجيه، وطلبت منه أن يتحرك ويخرج من دائرة البؤس، وأن الإنسان إذا رضي بحاله وهو عاجز فإنه سيبقى على هذه الحال، كما قال تعالى:»إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم«، ثم في الختام طلبت منه أن يحسن إلى اليتيم عن طريق بعض الجمعيات المعتمدة في الدولة، ويؤمن له المال إن تيسر، فقال لي: لماذا اليتيم فقط وأنا جئت إليك لأمر آخر!

فقلت له: لأنك جئت إلي وأنت تبحث عن السعادة وراحة القلب، وإكرامك لليتيم هو طريقك لتغيير حياتك، والدليل على ذلك، ما جاء في الحديث أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام وشكا له قسوة في قلبه، فقال له عليه الصلاة والسلام: إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم، فهنا قدم الرجل يشكو حاله، وأنه في ضيق وتعب، فدله النبي عليه الصلام والسلام إلى مسح رأس اليتيم، إشارة إلى الإحسان إليه بما تستطيعه حتى لو اكتفيت فقط بمسح رأسه، فإن هذا طريق إلى لين القلب وراحته، فما بالك إن قدمت له ما هو أعظم من المسح !.

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي