إنّ للإمام ابن الجوزي في كتابه وحْي الخاطر إشارات دقيقة ولمحات رقيقة في استلال الاستنباطات القرآنية الخفية التي قلَّما تخطر ببال وها هو يجود ويقول إن الله سبحانه وتعالى نهى آدم وحوَّاء كليهما أن يقربا الشجرة «لا تقربا هذه الشجرة» فأكلا منها فكان ذلك معصية لا شك لله إلا أن المولى سبحانه وتعالى نسَب المعصية إلى آدم تصريحاً ولم ينسْبها إلى حّواء لا تصريحاً ولا تلميحاً لماذا؟
قال ابن الجوزي لأن سِتْر الحَرمَ من الكرم.
المسؤولية الزوجية وللهِ دَر القرطبي في استنباط قرآني أدَقَّ وأرق حيث نبّه على قوله تعالى محذّراً آدم وحواء: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) قال رحمه الله– جاء النهي من الله لهما معاً (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) فإن أخرجهما الشيطان من الجنّة إلى الأرض دار التكليف فإن المسؤولية الزوجية تقع على عاتق سيدنا آدم– عليه السلام– وخاصة النفقة الشرعية لذلك انتقل الخطاب من التثنية إلى الإفراد، فقال: (فَتَشْقَى) أي أنت يا آدم ولم يقل تشقيان.
مملكة المرأة...إن هذا الواجب الذي قد نُفِرطُ فيه أحياناً قد نبهَّ المولى - سبحانه وتعالى- أبانا آدم إليها – عليه السلام- وهو في الجَنّة قبل أن ينتقل إلى دار التكليف وهو لايزال في ربوع الجنان بياناً لخطورته وأهميته وعظم أجره وثوابه. فتبقى حواء في بيتها عزيزة كريمة ويغدو آدم بحثاً عن الرزق.
ومرةً أخرى يلفت العلماء إلى خطاب الله لسيدنا آدم (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) فكان التعبير بالزوجية وكذلك عندما خاطب الله – سبحانه وتعالى- نبيه الكريم فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ....) بينما قال في قصة نوح (اِمْرَأَةَ نُوحٍ) وعن فرعون (اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ).
قالوا: لأن الزوجّية مشاكلةٌ ومجانسة وموافقةٌ والموافقة فرع للمرافقة لذلك لما كان سّيدنا نوح – عليه السلام – مؤمنا وامرأته كافرة وكذلك سّيدنا لوط عليهما السلام وكانت امرأة فرعون آسية مؤمنة وفرعون كافر لا يسلمون من الأذى والخيانة فأين التوافق والتجانس؟ لذلك جاء التعبير بامرأة في هذا المقام.
ولكنْ لماذا عبرّ القرآن بامرأة عمران مع أنها مؤمنة وزوجها مؤمن وأكرِمْ وأنْعِم بها من زوجة؟
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)
والجواب أنّ الله وصفها بامرأة ولم يصفها بالزوجية في هذا المقام لأن زوجها قد تُوفِي عنها فانقطعت حبال الزوجية فهي الآن امرأة عمران وليست زوجة عمران.
أحكام المرأة
وإذا تأملنا الأحكام المتعلقة بالمرأة أماً أو زوجة أو أختا مطلّقة أو معلقّة حاضنة أو مرضعة نجدها ممّا استأثر المولى سبحانه وتعالى بنفسه العلية بيانها فلم يذكرها في القرآن مجملاً ليتولى بيانها الرسول الكريم بسنّته الشريفة كأحكام العبادات ولم يذكر قواعدها الكلية العامة، وثم يتولى المجتهدون بيان متغيراتها ومستجداتها وإنما فصَّل المولى سبحانه بنفسه العليَّة أحكامها في سور كثيرة من كتاب الله، في البقرة وآل عمران والنساء وسورة مريم والأحزاب والتغابن والطلاق وغيرها لأنّ جل أحكامها من الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا التبديل مما تتعلق بالنفس الإنسانية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وفي استئثار المولى لبيان هذه الأحكام حفظ لحقوق المرأة ولن تتأثر بعوادي الزمن لأنها قرآن يتلى إلى يوم الدين.
الخطاب القرآني للمرأة
القرآن الكريم فيه أسلوب في الخطاب للمرأة أُماً يختلف عن خطابه للرجل أباً فعندما يخاطب الأم فيقول: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، فلا يأتي الأمر تصريحاً مباشراً وإنما بصيغة الإخبار ولكن ينطوي في طياته على أمر غير مباشر لأن الخطاب متوجه إلى الأمّ مراعاة لمشاعرها ولكونها مفطورة مجبولة على الرّضاعة بحكم حنان الأمومة ولكن عندما خاطب القرآن الأب بياناً لواجبه قال سبحانه: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وهذا أمر صريح جلي بصيغة «على» الدالة على أقوى درجات الأمر.
* أستاذ جامعي وإعلامي
