»إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق«.. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
سبق أن ذكرت أن التسامح معناه السهولة واليسر في التعامل، ومن أهم الأمور التي ينبغي التركيز عليها هي التعليم، وآداب التعليم، والرفق في التعليم يعد من أهم ركائز النجاح وإعداد جيل واعٍ لهذا المجتمع، وفي الفترات السابقة ومع الانفتاح الرهيب الذي تشهده مواقع التواصل الاجتماعي هذا العصر، بدأنا نشاهد بعض المقاطع التي يكون فيها العنف من قبل المعلم على الطالب..
وصرنا نسمع بعض الحالات التي هي في الحقيقة مرفوضة تماماً في المجتمع، كما أنني أحمد الله أن هذا الأمر غير منتشر في بلادنا، بفضل الله أولاً ثم المتابعة الحثيثة من الجهات المختصة، ولكن ما دام أنه حدث تحتم علينا بيانه، لأننا إذا أردنا أن نقضي على أمر سلبي معين، فإنه علينا المبادرة في القضاء عليه أو تخفيفه إلى أن يزول..
ومن الخطأ أن نهمله بحجة أنه أمر نادر وعدد الحالات قليل، فالصغير يكبر إلى أن يكون عظيماً حتى يصبح ظاهرة، لذا من المهم جداً على المعلم أن يتحلى بمبدأ التسامح والرفق في التعليم، وأنه إذا أراد معاقبة طالب على فعل خادش معين، فإن هناك بدائل كثيرة يستطيع من خلالها إيقاف هذا السلوك بدون اللجوء إلى الضرب المبرح الذي يشعرك أحيانا أنك في حلبة مصارعة وملاكمة ولست في فصل دراسي.
ها هو قدوتنا النبي، عليه الصلاة والسلام، يضرب لنا أروع الأمثلة في استعمال الرفق والسهولة في التعليم، كما جاء في قصة معاوية السلمي، رضي الله عنه، أنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله، عليه الصلاة والسلام، إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت:.. ما شأنكم تنظرون إلي؟
فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، سكت، فلما صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما قهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. هذا الحديث يبين لك مدى التأثير على من يجهل الشيء، فها هو معاوية استفاد من ذلك بعد أن ظن أنه سيواجه تعنيفاً، وقال:
ما رأيت معلماً خيراً منه، فهذا ما نحتاجه في التعليم، نرفق معهم ونصبر عليهم ونتلطف بهم ونشجعهم، ونساعدهم في تخطي العقبات، وتجاوز السلبيات، وبث روح الحماس في نفوسهم، وحب المطالعة وتطوير الذات، ولا يخفى علينا أن الابتعاد عن التسامح في التعليم سيكون له الأثر السلبي على الطالب، وهذا أمر واضح لا غبار عليه.
ويبقى هناك أمر مهم حري أن يذكر، وجدير أن ينبه عليه، وهو أن السهام صارت تطلق فقط على المعلم، وفي المقابل سكت الكثيرون عن الآداب التي ينبغي أن يكون عليها الطالب مع معلمه، وأن المعلم له قيمة، وله مكانة يجب أن تحترم، وهنا يأتي دور الوالدين وأيضاً الجهات المختصة ليبقى المعلم قدوة.
من الواقع
هناك بعض المواقف السلبية التي ننبه عليها لنتجاوزها عن طريق التعاون، بعض أولياء الأمور عندما تتصل به إدارة المدرسة لإخباره بضعف ولده في جانب معين أو ارتكابه لسلوك خاطئ، يرد عليهم أن الولد شاطر ولا يمكن أن يفعل هذا »انتوا ما تعرفون تدرسون أصلاً، ومدرستكم تعبانه« وهذا خطأ، كان على ولي الأمر أن يشكرهم على حرصهم، وأن يتعاون معهم في سبيل تعديل سلوك الولد، لأن ابنك غداً سيمثل بلده دولة الإمارات الحبيبة، هل استشعرت هذا!!
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
