«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
خلال قراءتي لبعض الكتب قبل عدة أيام، وقعت عيني على ميثاق من مواثيق الأم المتحدة الذي ينص «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره، وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار»، ثم تذكرت كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، «مستقبل العالم لن تشكله الحروب بقدر ما سيشكله التسامح واحترام الفكر»، هنا حمدت الله على نعمة الإسلام، كيف أن هذا الدين أكرم الإنسان، وحثنا على أداء كل ما يؤدي إلى الحفاظ على حقه، وأمنه، وممتلكاته، هذا الدين الذي شرع التسامح لحكمة بالغة، شرعه ليعيش الناس في سلام، وفي أمن وأمان، وها هي الأمم المتحدة والمنظمات العالمية تقر إقراراً أكيداً بأن المخرج من العنف، والمخرج من الحروب وويلاتها لا يكون إلا عن طريق التسامح، ونشره، وتشجيع كل المبادرات التي تسهم في توثيق هذا المبدأ.
ومن هذا المنطلق نؤكد أن الدولة التي تجعل التسامح أصلاً ومنهجاً لها هي دولة عادلة، في قوانينها وتشريعها، دولة تحترم كل من يقيم فيها، بغض النظر عن لونه، وجنسه، وديانته، هذه الدولة التي ستعيش طويلاً، هذه الدولة التي ستنهض سريعاً، هذه الدولة التي ستنافس على المراكز الأولى في شتى المجالات والميادين، هذه الدولة التي تستطيع، بإذن الله، التغلب على التحديات الفكرية، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية ونحوها، ومن هنا يتبين لنا الدور الكبير الذي تقوم به حكومتنا الرشيدة في ترسيخ وإرساء دعائم التسامح في المجتمع، ويكفي ذلك دليلاً وبرهاناً وجود وزارة خاصة عرفت بوزارة التسامح.
الإسلام هو دين العدل، والعدل نوع من التسامح، فكل متسامح عادل، وكل دولة متسامحة تكون عادلة، لذا جاء الحث في الدين على العدل بين الناس، وإيصال الحقوق والأمانات إلى أهلها، قال تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، وأن الإمام العادل لا ترد دعوته كما جاء في الحديث «ثلاثة لا ترد دعوتهم، وذكر منهم الإمام العادل»، لتظهر لنا قيمة العدل، ولكي تطلب كل نفس كريمة هذا الفضل، وهذا الجزاء، وقد ضرب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة عندما قال: «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» في وقت كانوا يفرقون بين الشريف وغيره في الثواب والعقاب، ليبين للناس أجمع من بعده، وخاصة أمته أن العدل من أكد أخلاقيات الإسلام، التي تسهم في تحقيق الأمن للناس في مجتمعاتها.
من الواقع
يخبرني أحد الأشخاص عن قصة حدثت له، أسهمت في أن يبقى في دولة الإمارات مع أهله، أنه قدم للزيارة فقط، والدخول إلى دولة انتشر صيتها، ومدينة صارت تذكر في كل صحف العالم وهي دبي، فقال: كنت أسير مع صديقي بسيارته، فقامت سيارة يقودها شخص من الإمارات بضربنا مما سبب الضرر لسيارة صديقي، فانتظرنا وصول سيارة الشرطة، ولكني كنت خائفاً وأقول لصديقي: الآن ستأتي الشرطة وتثبت الخطأ علينا نحن، كون الطرف الآخر من أبناء البلد ونحن غرباء، فقال لي صديقي: الخطأ واضح أنه منه ولا تخف لأنهم هنا يسيرون بالقانون، ويقول: عندما وصل الشرطي، إذا به يقول للشخص الآخر أنت المخطئ، وعاملنا معاملة كريمة، فقلت من بعدها لصاحبي: سأبقى في هذا البلد الذي يعدل ويجعل الناس سواء وسأحضر أهلي إليه، والآن هو يقيم فيها منذ 20 سنة تقريباً. هذا مثال واحد يبين لنا أننا نحن في مجتمعنا علينا تفعيل هذا الخلق، لنؤكد القيمة التي وصلت إليها بلادنا باتباعها لهذا الخلق العظيم.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
