«يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم نكن نحن!» بهذه الكلمات أطلق الملك المظفر سيف الدين قطز سلطان مصر المملوكي، شرارة معركة من أعظم معارك التاريخ البشري، معركة «عين جالوت» وضع بها حداً لغزو المغول بلاد المسلمين، وإفسادهم الكبير في الأرض، وأعاد للإسلام هيبته، وللبلاد أمنها وعزها، ثم قضى نحب إلى ربه سبحانه وتعالى، وهو في ريعان الشباب، ولم يتم عاماً واحداً في الملك، وكأن الله سبحانه وتعالى اختاره لأداء هذه المهمة، حتى إذا ما أتمها اجتباه إليه.
ولكن، من هو الملك المظفر؟ وكيف وصل إلى الملك؟ وكيف أعد لهذه المعركة الفاصلة؟ عمر رسلان الباشا، واعظ أول بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي يجيب عن هذه الأسئلة، ويحدثنا عن بطولات قائد «عين جالوت»:
إنه محمود بن ممدود، وكان جده من أعظم ملوك خوارزم شاه، اختطف عقب انهيار الدولة الخوارزمية عام 628هجرية، على يد المغول، وحمل مع غيره من الأطفال إلى دمشق، ليباع في سوق الرقيق، وظل عبداً يباع ويشترى حتى انتهى به المطاف في يد عز الدين أيبك، أحد أمراء مماليك البيت الأيوبي بمصر.
يقول واصفوه: إنه كان شاباً أشقر، كث اللحية، بطلاً شجاعاً، عفاً عن المحارم، مترفعاً عن الصغائر، مواظباً على الفرائض والأذكار.
ولهذه الصفات عظم في عين الملك عز الدين أيبك، فعينه نائباً للسلطنة، وما إن قتل الملك، وتولى الحكم ابنه الصغير نور الدين، حتى تولى سيف الدين قطز الوصاية على الملك الصغير، فأصبح بذلك حاكم مصر الفعلي، وأمضى قرابة ثلاث سنين يخمد الثورات، ويصد الغزاة الطامعين في مصر، حتى استتب الأمن، واستقرت الأوضاع، ولكن انشغال الملك الصغير باللهو، وانصرافه عن الأمور الخطرة التي كانت تتهدد البلاد والعباد، ولا سيما بعد سقوط بغداد على يد التتار، كل ذلك دفع سيف الدين إلى عزل السلطان الطفل، وتولي عرش مصر عام 657هجرية، ليعد العدة للقاء التتار.
وفعلاً بدأ الإعداد للمعركة المحتومة، وكان أول ما فعل أن وحد الأمراء والمماليك، خلف غاية واحدة عظيمة، هي وقف زحف التتار، وصدهم عن بلاد المسلمين، فجمع كبار القادة والعلماء في مصر ليقول لهم: «إني ما قصدت إلا أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطة من شئتم» فهدأ الناس لذلك، ورضوا بالتوحد لهذه الغاية، ثم تصالح مع الأمير قطز، وراسل أمراء الشام لينضموا إليه، في المعركة الفاصلة، فمنهم من استجاب له، ومنهم من انفض عنه.
ولما حانت لحظة المواجهة، جمع قطز القادة والمستشارين، وقال لهم بعد أن رأى من بعضهم التردد والخوف: «أنا ألقى التتار بنفسي، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين عن القتال»، ثم وقف يخاطبهم وهو يبكي ويقول: «من للإسلام إن لم نكن نحن»، فقام الأمراء يعلنون الموافقة على القتال، وبدأ تكوين الجيش وتنظيمه.
والتقى الفريقان في «عين جالوت» من فلسطين في 25 رمضان عام 658هجرية، وكانت الحرب ضارية، وكان للتتار في بدايتها تفوق وظهور، فما كان من قطز إلا أن نزل ساحة القتال بنفسه، وألقى خوذته على الأرض، تعبيراً عن إقباله على الشهادة، ورفعاً لمعنويات جيشه، وهو يطلق صيحته الشهيرة: «وا إسلاماه»
وما هي إلا ساعات حتى انتصر المسلمون نصراً مؤزراً، وفر التتار أمامهم، وانكسر جيشهم، الذي لطالما أرعب شعوب الأرض كلها، فلاحقهم قطز حتى طهر بلاد الشام بأكملها منهم، وفتح دمشق، ووحد مصر والشام من جديد في دولة واحدة، ولم تقم للمغول بعد ذلك قائمة.
فلله دره، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
