«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
أمر الله العباد بالاعتصام، ويدخل في هذا الأمر كل سبب يوصل إلى الجماعة وجمع الكلمة والتسامح، وواحد من هذه الأسباب إفشاء السلام، قال تعالى: «فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة» ومعنى هذه الآية مشروعية السلام على أهل البيت، وأيضاً مشروعية السلام، ولو كان البيت خالياً كما قال غير واحد من المفسرين، وجاء في الحديث الصحيح أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام أي الإسلام خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، ومن هنا يكون الجواب للسؤال المحتمل لهذا المقال، ما هو الربط بين السلام والتسامح؟
فالجواب أن التسامح لا يكون عن طريق اعتزال الآخرين ورفضهم والترفع عنهم، والتعصب والكراهية، فهذا شيء يناقض سماحة الإسلام، وأن الإسلام أمر بأن تكون الناس متماسكة في مجتمعاتها، وأن تكون متراحمة، ومتحابة، وإفشاء السلام هو بداية التماسك والتراحم بل هو دليل على التقارب من الآخرين، كما قال عليه السلام: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، فجعل هنا السلام هو البرهان على المحبة، والمحبة دليل على الإيمان، والإيمان شرط لدخول الجنة، بل لم يتوقف الشرع عند هذا الحد، ورتب الأجر العظيم على نشر السلام، كما جاء من حديث عمران بن حصين، أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: السلام عليكم، فرد عليه وجلس وقال «عشر»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه وقال: «عشرون»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه وقال: «ثلاثون».
وهو من موجبات دخول الجنة أيضاً، كما جاء في الحديث «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، فهذه الأحاديث وغيرها تبين لنا قيمة وفضل التعارف بين الناس وإفشاء السلام بينهم.
قال الإمام النووي: والسلام أول أسباب التآلف ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تكمن ألفة المسلمين بعضهم لبعض. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: «والسلام من محاسن الإسلام، فإن كل واحد من المتلاقين يدعو للآخر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة، ويزيل الوحشة والتقاطع».
لماذا اقترنت الرحمة والبركة مع السلام؟
الجواب أن الإنسان لا ينتفع بالحياة إذا لم تتوفر له ثلاثة أمور، وهي: سلامته من الشر وكل ما ينغص حياته، وحصول الخير له، ودوام هذا الخير وثباته، وهذه الثلاثة نجدها في السلام، فإن لفظة السلام هي السلامة من الشر، وأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، وقولك «ورحمة الله» يتضمن حصول الخير، وقولك «وبركاته» يتضمن دوامه وثباته، كون لفظة البركة المراد منها كثرة الخير، كما قال سبحانه في ليلة القدر«إنا أنزلناه في ليلة مباركة» أي: كثيرة الخير.
لذا علينا أن نتحلى بهذا الخلق، ونعلمه لأبنائنا، ونجعله أصلاً أصيلاً في بيوتنا، إذا دخلنا وإذا خرجنا، وإذا لقينا الناس في الخارج، من عرفنا ومن لم نعرف، مع الصغير والكبير، مع القريب والغريب، وحتى مع الخصم، كما قال عليه الصلاة والسلام في حق المتخاصمين «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، ويكمل هذا السلام بالمصافحة والتبسم في وجه الآخر، والعناق إذا طالت مدة الفراق، كما كان يفعل الصحابة أنهم إذا قدموا من سفر تعانقوا.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
