»إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق«.. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
قرأنا قبل عدة أيام كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حول التأكيد على مبدأ التسامح واعتماد البرنامج الوطني للتسامح، بقوله: »هدفنا أن نحمي مجتمعنا من رياح التعصب والكراهية التي تعصف حولنا«، هذه الكلمات تدل على الحكمة والنظر إلى عواقب الأمور..
فالتعصب بشتى أنواعه والكراهية بمختلف طرقها ومصادرها مذمومة، والقضاء عليها لا يكون إلا بنشر التسامح وجعله منهجا، وترجمته إلى واقع ملموس نعمل به وندعو إليه وندعم كل البرامج التي تساهم في ترسيخه وتثبيته في المجتمع.
التعصب يوصل إلى الكراهية، والكراهية توصل إلى العنف والتخريب، والعنف يوصل إلى زعزعة الأمن في المجتمعات ثم تعم الفوضى، سلمنا الله منها..
وكل هذا منهي عنه في الدين الإسلامي السمح، وأخطر أنواع وصور التعصب عندما يكون في الدين، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الفعل بقوله »هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون«، هذا التنطع الذي يؤدي إلى احتقار الآخرين، ورفضهم، واستعمال الغلظة معهم، وتكفيرهم، كما تفعل بعض المنظمات المخربة، كداعش وغيرها.
هذه المنظمات التي غابت عنها الحكمة، وتبرأ منها الرفق، وصار التشدد المذموم منهجا لها، والتكفير شعارا لها، قوم غابت عنهم أهمية الجماعة، وفضل الاجتماع على كلمة واحدة، والنظر إلى عواقب الأمور بعيداً عن الهوى.
وما أجمل القصة التي حدثت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، عندما رأى أحد الأعراب يبول في المسجد، فهم به بعض الصحابة وكادوا أن يلحقوا به العقاب على هذا الصنيع الخاطئ، الذي يدل من أول وهلة على عدم تعظيم شعائر الله، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام المعلم الأول والقدوة الأوحد نهاهم، وقال: لا تزرموه، أي: لا تقطعوا عليه، وهنا استعمل معه الرفق ثم النظر إلى مآلات الأمور..
كونهم إذا أنكروا عليه بغلظة سيؤدي ذلك إلى مفاسد عديدة منها: (إضرار الأعرابي بحصر البول، انتشار البول في مساحة أكبر من المسجد، نفرة الأعرابي من الدين..) وغيرها من المفاسد التي غابت عن أذهان بعض الصحابة في تلك اللحظة، وهذا فيه درس تربوي وتأصيل صلب وثابت في كيفية التعامل مع الأمور، والتريث واستعمال الرفق، وعدم إنكار المنكر بطريقة خاطئة تؤدي بعد ذلك إلى منكر أشد منه، والأمثلة في هذا كثيرة في السيرة النبوية لمن أراد الاستزادة.
علينا أن نوقف ونمنع كل أنواع وصور التعصب دينية كانت أو مجتمعية أو رياضية، فظاهرة التعصب الرياضي أيضا علينا أن نحذر منها، ونتكاتف من أجل تحقيق السلام والتسامح في الملاعب، لذا نلاحظ أن البعض- للأسف- يرى أن التعصب الرياضي نوع من جماليات اللعبة، ونوع من التحدي، وهذا من أكبر الخطأ، وأعظم الجهل، فكيف يكون الشيء المذموم والمنهي عنه نوعاً من الجمال!
كيف يكون نوعاً من التشويق! بل وصل الحال في التعصب الكروي إلى الخصام بين الناس، بل إلى زعزعة ربما في العلاقات بين الدول، خاصة هذه الدول التي تجعل الكرة ساحة للشعارات السياسية. وكم من مشاجرة حدثت بين الإخوة في بيت واحد، وبين الأصدقاء في البيوت وساحات المقاهي..
وفي المدرجات !كل هذا خطأ، ويؤثر في المجتمعات في استقرارها، يجب علينا جميعا أن نقف وقفة رجل واحد في الحد منها، ونتحلى بالروح الرياضية ونجعل هذه الرياضة تجمعنا وتقرب بيننا، لا العكس.
وفي الختام أقول شكرا لبلدي الحبيب الإمارات، وشكراً لقادتنا، على هذه الجهود وهذا الحرص على تأكيد مبدأ التسامح والتشجيع والحث على نشره بطريقة صحيحة، وذم أنواع التعصب والكراهية والأحقاد بجميع أنواعها. سائلاً الله أن يجنب بلادنا وبلاد المسلمين الفتن.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
