إذا ما أرخى الليل وضرب بأطنابه أرجاء الوجود خرجت وحوش الأرض وهوامها تتسلل في جنح الظلام بحثاً عن فريستها وقد ظلت طول النهار في مخابئها وجلة تترقب بنهم ساعة الغروب.

وكذلك الشياطين شياطين الجن والإنس يتخذون من ظلام الليل ستاراً يتسللون فيه لواذا يقطعون مراحلها بين كأس وشاد وآخرون في النهب والاعتداء وكل سادر في قومه غارق في دنيا السيئات، وأن من يلقي نظرة على عواصم بعض الدول الكبرى ومدنها بعد منتصف الليل يعلم حقيقة الاستعاذة القرآنية التي أمرنا بها كل ليلة وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ.

هجر الفراش

من هنا كان العارفون إذا ما جن الليل جفت عيونهم وجنوبهم المضاجع خوفاً من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وطمعا فيما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر فَلَا تَعْلَم نَفْس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قالوا: ذلك أنهم أخفوا لله عملاً فأخفى لهم ثواباً يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً. فلا يحزنون إذا حزن الناس ولا يخافون إذا خافوا لأنهم عجلوا خوف الله في الدنيا فباتوا له عابدين.

اسألوا حفصة

وهذه حفصة بنت سيرين تسرج سراجها فتحيي الليل صلاة أضاءت لها أنوار المعرفة، فإذا ما أشكل على ابن سيرين شيء من القرآن أو سئل عن معضلة أشار إليها وقال: اذهبوا واسألوا حفصة كيف تقرأه؟ وكانت تقول: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإني والله ما رأيت العمل إلا في الشباب، وقيل للحسن: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟

فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فالبسهم من نوره نوراً. ذلكم هو دأب أهل القرآن- كما وصفه ترجمانه- يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا هم مفطرون وبحزنه إذا فرحوا وبخشوعه إذا اختالوا وبصمته إذا خاضوا وبدموعه إذا هم يضحكون.

رهبان الليل

إن قيام الليل محياة للبدن، ونور في القلب وضياء في البصر وقوة في الجوارح لا يدركه إلا من ذاق حلاوته، ووجد أحب ساعاته في ذكر ربه وعبادته، وإن لم تطاوعه نفسه جاهدها كما تجاهد الدابة الجموح لعله يلتحق بركب عباد وصفوا بأنهم قوم أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام وأهلموا له العيون لما اختلط عليهم الظلام، رجاء أن ينير لهم السير في ظلمة الأرض وتطلعت أعينهم إلا عالم الملكوت فرأت ما رجت من عظيم الثواب.

بين الرغبة والرهبة

وهنالك وقد اختلطت الرغبة بالرهبة يحلو الإلحاح في المسألة، لم لا؟ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ . فالعمل أولاً والدعاء ثانياً وما أبلغ قول السبكي في طبقاته:

ينبغي للداعي أن يبدأ بعمل صالح يتنور قلبه ليعقبه الدعاء ولذلك كان الدعاء عقيب المكتوبات أقرب إلى الإجابة، ومن أفضل الأعمال الصلاة. وقد جاء في أحاديث كثيرة الأمر بتقديمها على الدعاء عند الحاجات، فإن حصل نور بها، وأشرقت علائم القبول، فالأولى الدعاء عقبها، وإلا فليصل المرء إلى أن تلوح إمارات القبول فيبدأ بالدعاء فإنه أقرب إلى الإجابة وأدعى للقبول.

ربيع الليل

كان القوم من بعد العشاء لا يسمرون إلا لطلب علم أو أمر من أمور المسلمين، فإن هجعوا فنومهم سلامة وأن تهجدوا فذلكم الغنيمة صلاة كانت أو دعاء أو تلاوة للقرآن ربيع الليل.

وقد استحبوا طول القيام به لأنه مطردة للشيطان مجلبة للملائكة تتنزل أنوراً كأنها القناديل لاسيما إذا صاحبت التلاوة جودة الترتيل. وربما قام أحدهم وأصبح يردد آية من كتاب الله أو سورة من سوره تدبرا وتفكرا في عجائبه التي لا تنفد ولا تنقضي ومن جعل القرآن بين يديه قاده إلى الجنة والرضوان.

 

* أستاذ جامعي وإعلامي