هو أبو الفتح بن جني عثمان بن جني الموصلي النحوي.كان أبوه مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولد في الموصل قبل الثلاثين والثلاثمائة، وتوفي يوم الجمعة الثامن عشر من صفر ببغداد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
عن هذا العالم الجليل يحدثنا د. محمد حسن قسام، واعظ أول بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي فيقول: يعدّ ابن جني رحمه الله أحد الأعلام الذين كان لهم بصمة كبرى في علوم العربية، فقد برع في علم اللغة وفقهها وعلم الأصوات وعلم التصريف، واستطاع أن يبرهن من خلال تصانيفه ومؤلفاته على أثر بنية الكلمة في المعاني، وأثبت ثراء اللفظة العربية، ونظّر وقعَّد لتراكيبها، وأثرى المعجم العربي في معاني اللفظة والفروق الدقيقة بين معانيها عند اختلاف البنية، وأرسى الفروق المعنوية الدقيقة فيما اعتقد كثير من أهل العلم أنه من المترادف، ولقد فتح ابن جني في العربية أبواباً لم يتسنّ فتحها لسواه، ووضع أصولاً في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني، وإهمال ما أهمل من الألفاظ، وغير ذلك، وكان بذلك إماماً يحتاج إلى أتباع يمضون في سبيله، ويبنون على بحوثه.
شخصيته العلمية
عندما كان له من العمر خمس عشرة سنة، مر عليه أبو علي وهو يدرس العربية، ومن القليل أن يتعرض المرء للتدريس في هذه السن المبكرة، فوجده يتكلم في مسألة قلب الواو ألفاً في نحو قال وقام، فاعترض عليه أبو علي، وقال له: تزببتَ وأنت حصرم، فتبع أبا علي، وأخذ عنه الأدب وعلم التصريف، وبرع فيه، فما أحد أعلم منه به، ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه، وأخذ النحو عن الأخفش، وله صحبة قوية مع المتنبي، وكان المتنبي يعجب بأبي الفتح وذكائه وحذقه، ويقول: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره، يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح، وقد شافه ابن جني الأعراب الذين لم تفسد لغتهم، وأخذ عنهم، وروى عنهم الكثير، وكان لا يأخذ عن بدوي إلا بعد أن يمتحنه ويتثبت من أمره وصدق نحيرته.
وله من المؤلفات في اللغة وفقهها زهاء خمسة وسبعين مؤلفاً، والمتأمل لهذا الكم الهائل من الكتب التي ألفها ابن جني والتي تعتبر مراجع في اللغة العربية وفقهها يدرك فضل ابن جني وأثره الجليل في خدمة علوم العربية، ولقد اشتهر ابن جني بعمق تحليله وإجادته التعليل، ولا يخلو ذلك من رص في العبارة وإيجاز يجعل كلامه غير مفهوم إلا لذوي الدقة في الفهم من أهل الاختصاص، ونأخذ مثالاً على ذلك تعليله لرفع الفاعل ونصب المفعول، حيث يقول في كتاب الخصائص: ( إنما فعل ذلك للفرق بينهما، فإن قيل: فهلا عكست الحال ويكون فرقاً أيضاً؟ قيل: الذي فعلوه أحزم؛ وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخفون).
فلنتأمل تعليله لرفع الفاعل ونصب المفعول، فلقد بين أن ذلك لغرض الفرق بينهما، ثم طرح إشكالاً على ذلك التعليل، ومفاد ذلك الإشكال أنه إذا كان القصد مجرد الفرق فلماذا لم يعكسوا فينصبوا الفاعل، ويرفعوا المفعول، ويكون في هذا أيضاً فرق بينهما؛ إذ سيعرف عندها الفاعل من نصبه والمفعول من رفعه بناءً على ما تعارفوا عليه من التفريق بينهما، ويجيب عن هذا الإشكال: بأنه تم اختيار الرفع للفاعل؛ لأن الفاعل واحد؛ إذ ليس للفعل إلا فاعل واحد، بينما المفعول متعدد، والرفع أثقل من النصب، فأعطوا ما لا يتعدد وهو الفاعل الأثقل وهو الرفع، وأعطوا المتعدد وهو المفعول النصب؛ لأنه أخف على اللسان من الرفع.
ولا شك أن دوراً كدور ابن جني ينتظر شبابنا على الأقل في فهم تعليلاته في علم اللغة، وقد رأينا في بحثنا كيف أن ابن جني تصدر لتعليم علم اللغة والتصريف وهو ابن خمس عشرة سنة.
