لقد أوتي نبي الله سليمان بن داوود الملك فلم يطغَ في مُلكه ولم تلهه خزائن الأرض عن عبادة مولاه. وإنما بلغ في ذلك منزلة وصفها القرآن بقوله سبحانه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ*إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وإذا كان الله، جل في علاه، قد ابتلى عباده من الأنبياء والأولياء ليتوبوا إليه ويؤوبوا فيزدادوا قرباً من الله وينالوا به مكاناً علياً فإن سيدنا سليمان عليه السلام عندما ودَّع ساعة الظهر بالذكر أعدَّ– كعادته– عُدَّته وأهبَّته لأعظم ساعات النهار بعد الفجر وهي ساعة العصر.
الإنابة إلى الله
ولا مرية أن أعظم وظائفها فريضتها (صلاة العصر) التي كانت مفروضة في شرعته- عليه السلام- إلا أنه ذات مساء أخذ يستعرض الخيول الصافنات منطلقة في السباق كأنها الريح بجمالها الخلاب وسحرها الجذاب فسلبت عينه ومشاعره فانتبه وإذا بالشمس قد توارت بالحجاب واختفت هناك في المغيب. ففات سيدنا سليمان ذكر ربه في هذه الساعة فأقبل على الله مستغفراً تائباً وأناب، وطفق إلى الخيول مسحاً بالسوق والأعناق ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.
مكافأة من الله
وفي التفسير: لما ترك سليمان الجياد السَّريعة لله كافأه الله بما هو أسرع منها وهي الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر تجري بأمره، ذلك أن الجزاء عند ربنا من جنس العمل، لذلك قال ابن رندقة الأندلسي: إذا عرض لك أمران؛ أمر دنيا وأمر آخرة فبادر إلى أمر الآخرة يحصل لك الأمران معاً.
من هنا كان العارفون إذا ما حلَّ الليل جافت عيونهم وجنوبهم المضاجع خوفا من يوم تتقلَّب فيه القلوب والأبصار.
الوعيد والتهديد
إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه، فهناك في سحيق الزمن كانت صلاة العصر مشروعة دلالة على عظمتها وعلى سر هذه الساعة التي خصَّها القرآن بالذكر فقال ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
ويكفي أن تاركها يلحقه ما يلحقه من الوعيد والتهديد، وربما حبط عمله من حيث لا يشعر وكان في عِداد الخاسرين.
صاحب النبوءة
وليس أدلَّ على أهمية صلاة العصر ما فعله الفتى التركي محمد الفاتح الذي نال وسام النبوة وشرف نبوءة المصطفى في الحديث الشريف: (لتُفتحنَّ القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش). فلما دخل القسطنطينية منتصراً توجه إلى قبلة المسيحية آيا صوفيا وقد حانت صلاة العصر فتأدب أن يتقدم على من حوله من الشيوخ ممن سبقوه علماً وفقهاً وسناً تكريماً لهم وتوقيراً. والناس من حوله بلهف يَترقَّبون ويتساءلون: من ذا الذي يقع عليه اختيار الفاتح الإمامة لهذا الجيش المظفر وهذا القائد الإمام الذي أنبا به النبي المختار.. ألا أنه غاية التكريم؟!
وهنا قطع الفاتح هذا الصمت الذي خيَّم على الجميع بقوله: من لم تفته نافلة العصر قبيل الفريضة فليتقدم وليحظ بشرف إمامة جيش قال عنه النبي الكريم: (ولنعم الجيش ذلك الجيش) وهنا استمر السكون مخيماً على الجميع تكاد لا تسمع همساً، فإن من حدثته نفسه أن يراجع صفحات عمره فإنه– دونما شك – وجد أن هذه النافلة - الثابتة عند الحنفية– قد فاتته مرات.
ولما لم يجد الفاتح من الشيوخ جواباً أشار بإقامة الصلاة ولم يجد بداً من أن يتقدم بنفسه إماماً لهم في المحراب، وحق له ذلك كما كان قبيل قليل إماماً لهم في الميدان.
حاجة الأمة
ما أحوج الأمة إلى قائد رباني يجمع بين السلطان والقرآن يحفظ كرامة الأمة من الدنس والهوان إذا كر عائداً من ميدانه آب إلى محرابه، يتزود من التقوى منتظراً نداء المنادي.
* أستاذ جامعي وإعلامي
