«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
التسامح له صور كثيرة، ومن صوره حسن الظن بالآخرين، هذا الخلق الذي حث عليه الدين، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم» (الحجرات)، وجاء في الحديث الصحيح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عبادَ الله إخواناً»، هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة تمنع من إساءة الظن بالآخرين، لأن ذلك يؤدي إلى الخصومة والتفكك والتفرقة بين الناس، وكل ذلك يخالف مفهوم الجماعة والاعتصام والسماحة التي أمر بها الإسلام.
وليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فيه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد، لذا إذا رأيت من الغير ما يحتمل الخير والشر، احمله على خير المحامل، خير لك وأسلم لقلبك، ودوام لصحبتك لهم، وبقاء المودة والألفة.
وحسن الظن يتأكد أيضاً في الحياة الزوجية، تتعامل فيه مع شريك حياتك. بحكم عملي في قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي قابلت عدة قضايا من هذا النوع، حيث افتقدت لمفهوم حسن الظن حتى وصل بها الحال لقاعات المحاكم، من هذه القصص التي نتعلم من أخطائها، جاءت إلي إحدى الزوجات وقالت: ما زلنا في بداية الزواج وليس لدينا أبناء، إلا أن زوجي سريع الغضب، ولا يجلس معي، ولا يوجد بيننا حوار، وكلانا ينام في غرفة مستقلة، فقلت لها: هل هذه الحال من بداية الزواج أم تغير الأمر لاحقاً؟
قالت: تغير، فهنا علمت أن هناك سبباً أدى إلى ذلك وجعله يتهرب من الجلوس مع زوجته، وصار لا يحتمل منها نقاشاً ولا حواراً، وينهيه بغضب وتركها وحدها، عندما جلست معه في الجلسة الأخرى، أخذ يتكلم بكلام عام ليس فيه دليل ولا مثال، كقوله هي لا تحترمني، وهي لا تطيعني، فعندما أطلب منه دليلا يقوم بالانتقال إلى موضوع آخر، فقلت له: هل تريدني أقول لك أين المشكلة الحقيقية؟
قال: أين المشكلة؟ قلت له: واحدة من الأشياء التي ذكرتها زوجتك أنها عندما تتصل بك وتسأل عنك أنت تجيبها بأنك تتصلين بي فقط بقصد التحكم، وهنا بدأ عندك الخطأ، حيث كنت تعيش معها بهدوء، ثم كتمت في نفسك أشياء غير عقلانية وغير صحيحة عن زوجتك، وصدقت هذا الظن، فمثلاً، قمت بتصديق ظنك الذي يجعلك تظن بامرأتك أنها تريد التحكم بك، وتريد أن تمنعك من أصدقائك، وتريد السيطرة عليك، ثم ضاق قلبك منها، وابتعدت عن الحوار معها، لأنك أردت أن تثبت لها أنك رجل ولا يمكن أن تقبل منها التحكم والسيطرة، وهذا الضيق في القلب ظهر على سلوكك معها، كالغضب والصراخ والتهديد، وهذه آثار تظهر من إساءة الظن مع تصديقه وكتمه، ولكنك لو سألت نفسك عند اتصالها بك، سؤالاً صادقاً، لوجدت أن اتصالها يحتمل الخير وهو أنها تحبك وتسأل عنك وتظهر لك اهتماماً، ويحتمل الشر وهو أنها تتحكم بك كما تقول، فلماذا حملته على أسوأ المحامل، أليس من خلق الإسلام حسن الظن، وحمل الأمر على أحسن المحامل؟
هذا في العلاقة الزوجية، وأيضا بين الأصحاب تحدث الخصومات بسبب التسرع في الحكم، مثلاً تتصل على صديقك ولم يجبك، خطأ أن تقول هو متكبر ولا يجيب، كان من المفترض أن تقول له عذر، ونحوه، لو أردت أن تعيش بهدوء وسعادة، وتدوم لك الصحبة مع أحبابك وأصحابك.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
