«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء.
على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
أثناء إلقائي إحدى المحاضرات في جهة معينة، وتحدثت في هذه المحاضرة عن فضيلة التسامح والعفو، وبقاء الود بين الأصحاب، تفاجأت بسؤال أحد الحضور، أو هو في الحقيقة لم يكن سؤالاً، إنما كانت مداخلة بكلمتين فقط «الطيب يأكلونه»، يعني أن حديثك هذا لا يمكن تطبيقه، لأن صاحب التسامح سيكون عرضة للخداع والاستغلال من الآخرين.
فقلت له: جميلة هذه المداخلة، ولكنني أريد أن أسأل سؤالاً للجميع، عندما نقول «الطيب يأكلونه» تكون لنا حالتان، إما أن نقول ينبغي أن نكون أشراراً ومتشددين ونقابل الخطأ بالخطأ ونرفض مفهوم الطيبة برمته، وإما أن نقصد أن الطيبة مطلوبة ولكن لا تطبق في كل موضع ومع كل شخص، فإن قصدنا الأول لا شك أن هذا خطأ وسنكون مصادمين للدين والفطرة، فكيف سنعيش في مجتمع ليس فيه طيبة، وليس فيه مودة ورحمة، وكيف سنتواصل مع أناس نزعت الرحمة والطيبة من قلوبهم.
إذن سنعود للحالة الثانية، أن التعامل مع الآخرين بسماحة وسهولة هو من أصول ديننا، وأصول أخلاقنا العالية، وتربيتنا الصحيحة والصالحة، ومع ذلك قد لا نستعملها أحياناً في بعض المواقف ومع بعض الأشخاص لحكمة أخرى أيضاً فيها عدالة، كما جاء في الحديث «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».. كيف تنصر الظالم؟ بمنعه من الظلم. فنحتاج أحياناً إيقاف ظلمهم بالقوانين التي تحمي للناس أمنها ومصالحها.
ومن أمثلة العرب في هذا الشأن، قول الشاعر: ومن يصنع المعروف في غير أهله.. يلاقي كما لاقى مجير أم عامر، وهذا القول له قصة، وهي أن جماعة من الأعراب خرجت للصيد، فلقيت الضبع «الحيوان المعروف» وتبعته لصيده، إلا أنها هربت منهم واحتمت بحمى أحد الأعراب، توقفوا بجانب حماه ولم يدخلوا حتى لا ينتهكوا حرمة الأعرابي، فخرج إليهم الأعرابي وسألهم عن طلبهم، أخبروه أنهم يريدون صيدهم، فقال لهم: لن يتمكن منها أحد منكم ما دام أنها استجارت بي، وهذا الخلق كان معروفاً عند العرب، أنهم يكرمون الضيف كائناً من كان، استسلموا له ووافقوا على ترك الصيد حتى لا يتسبب ذلك في الخصومة أو القتال بينهم، ثم جاء الأعرابي إلى هذه الضبع وأطعهما وأكرمها إلى أن شبعت، ثم عندما شبعت وقويت، رأت الأعرابي الذي استضافها وأطعهما وأكرمها نائماً، فهجمت عليه وبقرت بطنه وقضت عليه، ثم أصبح عليه أحد أبناء عمومته ووجده صريعاً، فأنشأ قائلاً: ومن يصنع المعروف في غير أهله... يلاقي كما لاقى مجير أم عامر.
وأم عامر، أي: الضبع، يقال لها أم عامر.
هذه القصة تشير إلى أن الطيبة واللين ربما لا تنفع في مواضع، خاصة أن البعض يستغل ذلك وتسول إليه نفسه الغش والمكر، كما يحدث في هذه الأيام من بعض المتسولين الذين يجعلون التسول حرفة وتجارة، لذا كانت المطالبة من الجهات المختصة في الدولة بإيقاف هذا النوع من الناس. وأيضاً من الخطأ أن تضع أموالك ظاهرة للجميع دون حرز، ثم تقول لم أتوقع وجود أناس تسرق! مثل ما يقول المثل المحلي «يود مالك ولا تتهم يارك».
إذن هذا هو العدل، أن تكون متسامحاً ولا يمنع الحذر في بعض المواقف ومع بعض النفوس المريضة. الطيبة واللين والكرم والسهولة خلق رفيع كريم وعزيز، كما قال الله: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم»، وقال تعالى: «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً». وقيل: «إذا أردت أن تفحم خصمك، الزم الإنصاف والرفق معه».
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
