«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

هذا الدين العظيم استفدنا منه قاعدة ذهبية، أنه ما من شيء دلنا عليه إلا وفيه مصلحة لنا وخير ورفعة وصلاح، وما من شيء نهانا عنه إلا وفيه مفسدة لنا عند ارتكابه، لأن الله، سبحانه وتعالى، هو الذي خلق الخلق، وهو أعلم بشؤونهم، وما ينفعهم ويحقق لهم أمنهم النفسي والاجتماعي، قال تعالى «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير»(الملك).

وكما يقول المثل المشهور «صاحب البيت أدرى بما فيه» أو «أهل مكة أدرى بشعابها»، ومن هذه القاعدة ننطلق، ونقول: بما أن التسامح والصفح والسلام وجد في القرآن، اعلم أنه خير وفضل وراحة للفرد، وهذا جواب لكل من سأل عن الصحة النفسية، وأن التسامح دوره كبير في تحقيق الاتزان للفرد، قال تعالى «فاصفح الصفح الجميل» والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، هو الذي فيه ترك المؤاخذة بأجمل طريقة وأسلوب، وقال تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم»(النور) في هذه الآية حث وتأكيد عن طريق التذكير والإغراء بالجائزة، ومعلوم أن السلوك يتعزز بالمحفزات، والتحفيز هنا عن طريق مكافأة المغفرة من الله للذين يعفون ويصفحون، وهل هناك جائزة أعظم من هذا.

فضيلة العفو

هذا الخلق يعزز ويقوي المحبة بين أفراد المجتمع، ويبعدنا عن الأضرار النفسية، فصاحب العفو تكون نفسه كريمة صافية، لا تحقد ولا تحسد، ولا تنتقم، ولا تفجر ولا تغدر، تتعامل مع الآخرين بحسن الظن، وإيجاد الأعذار لهم، ومن هنا تظهر لنا فضيلة العفو، وكما يقال: إذا أردت أن تعلم أهمية الشيء وفضله، انظر إلى عواقبه وآثاره..

عفو يوسف

ضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في قصة يوسف وإخوته، بعد أن كادوا له، وظلموه وأبعدوه عن حضن والديه، وعن أهله ووطنه الذي ترعرع فيه وقضى فيه طفولته الأولى، بعد أن سببوا الضرر والحزن العظيم لوالدهم حتى أصابه العمى، بعد كل هذه السنين العصيبة جاء الاعتراف منهم «تا الله لقد آثرك الله علينا»، فكان الانتصار الحقيقي في قوله لهم«لا تثريب عليكم اليوم»، وكان هذا أيضاً حال والده يعقوب، عليه الصلاة والسلام معهم، وهذا فيه رد لمن يعتقد أن القوة والانتصار تكون في الانتقام وإيذاء الآخرين والتسلط، جاء في الحديث«ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، ومن حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ على قوم يصطرعون «يتعاركون» فقال: ما هذا؟ قالوا: فلان ما يصارع أحداً إلا صرعه، فقال: ألا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه»، فلا تكن أسيراً لخطوات الشيطان، ولا تسمع لمن يقول لك العفو دليل على الضعف وقلة الحيلة، بل هو دليل على عظيم خلقك وحكمتك، والعفو عند المقدرة دليل على القوة والشخصية القيادية.

ليس معنى العفو ترك الأبواب على مصراعيها وفتح المجال للمجرمين والمخربين أن يعيثوا في الأرض فساداً وظلماً وتخريباً، وليس معناه أن نتستر على المخالفين ومن أرادوا بالجميع شراً وبالبلاد قبحاً، بحجة أننا نحب العفو ونستر على الناس، فهذا من أكبر الأخطاء، ومن أعظم الجهل، بل علينا أن نوصل أمرهم إلى الجهات المسؤولة، لأن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، ولكل مقام مقال..

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي