إن نسمات السَّحر وقد تخللتها نفحات القدس الربانية تهب رياحها الطاهرة على أولئك الذين يتعرضون لها في هذه الساعة لعلهم يُكتبون من أهل السعادة الأبدية فلا يشقون بعدها أبداً.
ولا عجب إذا رأينا الإمام الغزالي في رسالته التربوية لابنه يستنهض همته ويُربيه وهو في بدو صباه على إدراك هذه النعمة وولوج هذا الباب العظيم: باب السَّحر الذي قل طارقوه، وكثر تاركوه فحرموا أنفسهم لوناً من النعيم الذي لا عهد لهم به من قبل.
ويأنف الغزالي أن تسبق الطيور ابنه تسبيحا فيقول له: فإنك عمر الله لو كنت صادقاً.. لما سبقتك بالهديل الحمائم.
واحة الاستغفاروقد روى أبو نعيم في حليته عن أبي بُردة عن أبي موسى أنه قال: لقد كان فيكم إمامان ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ألا وهو النبي الكريم وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى أما الثاني وهو كائن بينكم إلى يوم القيامة ألا وهو الاستغفار ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
يقول ابن القيم: فإن الاستغفار أمان قد اختص بساعة الأمان ألا وهي السَّحر فأجتمع الأمانان، حتى كاد هذا التخصيص أن يكون حصراً على أهل السَّحر وليس مقصوراً على الساعة وحدها ثم يعقب ابن القيم في مدارجه بكلمة جامعة مانعة فيقول: التوبة نهاية كل عارف ونهاية كل سالك ولهذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته أكثر استغفاراً، فبعد غزوة تبوك– وهي آخر الغزوات– أنزل المولى آية المغفرة الخاصة والعامة ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال تعالى في آخر سورة نزلت على رسوله الكريم: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾ ولئن استبشر عموم الصحابة فرحا بالفتح في هذه السورة فإن سيدنا عمر سأل عبدالله بن عباس بمحضر من كبار الصحابة: ما تقول في هذه السورة يا ابن عم النبي، فرد ابن عباس ما علمت منها إلا آجل رسول الله أعلمه ربه إياه فأمره بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه– عليه الصلاة والسلام- مقاماً وحالاً، وآخر ما يسمع من كلامه عند قدومه على ربه: (اللهم اغفر لي، وألحقني بالرفيق الأعلى).
الفتح المبين
إن سيدنا عبدالله بن عباس ترجمان القرآن قد ربط هذه السورة بما استفتح به الله سورة الفتح إذ يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهنا يقول: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وفي هذه السورة يقول: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ وفي الفتح يقول ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾، وإن مما فتح الله به على سيدنا ابن عباس أن الله قد صرح في سورة الفتح أن هذا الفتح المبين لمكة المكرمة تمام للنعمة وكمال للدين لا تتم النعمة إلا بالدين كما قال تعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا ﴾.
ساعة السحر
لما أدلى ابن قيم الجوزية بدلوه في هذا الباب مرة أخرى أتى بالعجب العجاب، وبلب اللباب فإنه لما استنبط ساعة السَّحر، وقد اختصت بالأمان والنجاة أكد ذلك بمعنى آخر رقيق ألا وهو ارتباط الاستغفار بالأسحار؟!، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فقد خص ساعة السَّحر بالاستغفار وإن كان مطلوبا آناء الليل وأطراف النهار وذلك بتقديم الجار والمجرور (وَبِالْأَسْحَارِ) ووصفهم الله بصيغة المضارع ﴿ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الدال على الحال والاستقبال فإنه ملازم لهم على كل حال حلاً وترحالاً، قياماً وقعوداً، فكيف بهم أعقاب الآثام والذنوب؟
الرسول والاستغفار
روى أبو نعيم في حليته عن أبي بُردة عن أبي موسى أنه قال: لقد كان فيكم إمامان ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ألا وهو النبي الكريم وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى أما الثاني وهو كائن بينكم إلى يوم القيامة ألا وهو الاستغفار ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
* أستاذ جامعي وإعلامي
