«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
تناولنا في العدد السابق سلسلة عن كيفية تعليم وتعويد الأبناء على التسامح فيما بينهم، وختمت الموضوع بالحوار الذي دار بيني وبين الأم حول تفعيل جانب المحبة والتسامح بين ولديها، وذكرت أنني نصحتها بالإيجابية وعلى خلق الاعتذار والتقارب، والتشجيع على السلوك الحسن مع وضع المحفزات والمكافآت اليسيرة.
وأيضاً تعويد كل واحد منهما أن يأخذ لأخيه مثل ما يأخذ، خاصة عند الذهاب إلى الجمعية أو البقالة ونحو ذلك، رغبة في تثبيت وتأكيد مبدأ الأخوة والمشاركة وأنك أنت وأخوك شيء واحد، هذه من الأمور التي ستكبر معهم حتماً.
أدب الاعتذار
والآن أكمل لكم الحوار المتبقي معها، أنني طلبت منها أن تتعامل مع الموقف بكل هدوء وتبتعد عن الوسوسة والدخول مع الأبناء في تحليل نفسي واختبارات نفسية هما وهي في غنى عنه، وأنه عند اتباعها للخطوات السابقة تراقب درجة التحسن.
قالت لي: في الحقيقة أنا لم أعودهما على سياسة الاعتذار، والحضن، وغيره، لذا سأبدأ بذلك، خاصة أنهما في سن يسهل علي التعامل معهما، وقبل أن أختم معها الطرق طلبت منها أن تكون قدوة لهما هي والأب، خاصة في الهدوء وطريقة المعاملة أمامهما، لأن الصراخ والغضب والتهديد أمام الأبناء يؤثر تأثيراً سلبياً فيهم، وهذا ما يؤدي أحياناً إلى انتقال العنف لدى الأبناء فيما بينهم، وقبل النوم اجمعيهما بجانبك وقولي لهما قصة ينامان عليها، هذه القصة تكون هادفة على مستواهما تدخلين فيها جانب المحبة بين الأخوة، مع الحضن والتقبيل قبل النوم لكل واحد منهما، إلى أن يتعودا على ذلك ويصير جزءاً من حياتهما.
بعد أسبوعين جاءتني الإجابة منها، أنها وهي وزوجها لاحظا التغير، خاصة أن الكبير صار يهتم كثيراً بأخيه الصغير، ويقوم بحضنه وتقبيله، والسماح له باللعب معه، صحيح أن العراك يكون بينهما أحياناً، لكن الأمر اختلف تماماً عن السابق، سرعان ما ينتهي هذا العراك بالنسيان والاجتماع على اللعب أو الأكل.
الملاحظ أن هذه الطريقة استطعنا أن ننجح فيها بتوفيق الله نظراً لعامل السن، فالطفل كلما كان صغيراً استطعت أن تعلمه بسهولة، ولكن لو أهملته إلى أن كبر فهنا ستواجه صعوبة إلى أن تعيد له التوازن، لذا علينا أن نهتم بجانب التسامح مع أبنائنا منذ الصغر، ويكون على جانبين: الجانب الأول الاهتمام بالتسامح الداخلي، وهو بينهم البين في البيت الواحد.
والجانب الثاني هو التسامح الخارجي الذي يكون خارج البيت، الذي نعلمه لأبنائنا، كيف يتعاملون مع الآخرين، مع القريب والبعيد، وهنا يكون السؤال، كيف أفعل التسامح الخارجي وأجعله منهجاً لأبنائي؟
هناك عدة خطوات وطرق لتفعيل هذا السلوك، وسأكتفي بالأهم، وهي خطوة القدوة الحسنة، وهذا دور الوالدين، لأن الولد جرت فطرته بتقليد من يحب، فعندما يخرج الولد مع أبيه، ويرى أباه يتصدق على الضعيف، وأحياناً يقوم الأب بإعطاء الولد مبلغاً من المال ليتصدق به أمام والده، ثم يجد التشجيع والتفسير من الأب حول فائدة الصدقة وحقوق الغير، عندما يرى الولد أباه وهو يحسن مع الآخرين في طريقة تعامله، كيف يختلط ويتسامح مع أفراد المجتمع، هذا لا شك سيكون له الأثر الإيجابي في نشأة هذا الولد على التسامح.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
