«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.
التسامح مفهوم واسع، تندرج تحته أخلاقيات كثيرة نحتاج إليها في واقعنا وحياتنا اليومية، وبما أننا نتحدث عن التسامح فإننا نقصد بذلك الوصول إلى هدف الاجتماع والاعتصام والتكاتف والفضيلة، وهذا الهدف إذا تحقق فإن الثمرة تظهر عياناً في المجتمع، فيكون قوياً مترابطاً متجانساً ومزدهراً.
خلق التسامح نحتاجه في البيع والشراء ومعاملاتنا المالية مع الآخرين، وهنا نعني به السهولة في التعامل والرفق مع الآخرين، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: »رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى«، فهذا الحديث يحثنا على السماحة والسهولة في مخالطة الناس..
واللين معهم، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحنة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم، والحفاظ على أموالهم، وعدم استغلالهم وغشهم، ومن غشنا فليس منا، كما قال عليه الصلاة والسلام.
وحين نتعامل مع خلق التسامح ينبغي علينا أن نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه«، فإذا كنت لا تحب لنفسك أن يخدعك الناس فيجب ألا تخدع الآخرين، وإذا كنت تتمنى ألا يغشك الناس، فاحرص على ألا تغشهم، بل أكثر من ذلك، يعلمنا هذا الخلق الكريم أن نبادر بتقديم الخير للآخرين والمسارعة إليه وكأننا نسعى لخير أنفسنا، حتى ننال درجة الإيمان الكامل، والإحسان الذي يرضي الله عز وجل عنا.
الصدق مع الآخرين
إن سجية التسامح تجعلك تعامل الناس كما تحب أن تعامل أنت، تجعلك تصدق معهم في التعامل، تجعلك تتنازل عن حظ نفسك في مقابل تأليف قلوب الآخرين، والحفاظ على الود والاحترام، وبهذا نفهم أن الغش التجاري والكذب في البيع وإخفاء العيب في البضاعة، يخالف مفهوم ومبدأ التسامح، لذا جاء التحذير في السنة النبوية:
»البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن بيّنا وصدقا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما«، فالبركة تذهب عند ضياع مفهوم السهولة والسماحة في المعاملات، لأن هذا يؤدي إلى الخصومة والتنازع بين الناس، وهذا التنازع سيكون له الأثر السلبي في المجتمعات، قال تعالى: »ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم«، فالتنازع هو الطريق إلى الفشل والضعف، ومن هنا تظهر لنا فضيلة وآثار هذا الخلق العظيم الذي نطبقه في كل أجزاء حياتنا وتعاملنا مع الغير.
أخلاق عثمان
وهذا ما كان من عثمان رضي الله عنه حين اشترى من رجل أرضاً، فتأخر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن، وحين نظر إلى أسباب تأخره تبين له أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون »خسران«، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن؟ فقال عثمان:
فاختر بين أرضك ومالك ثم ذكر له الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام »أدخل الله رجلاً الجنة، كان سهلاً مشترياً وبائعاً، وقاضياً ومقتضياً«. ننظر كيف قدم رضي الله عنه المصلحة العامة على الشخصية، وهي التآلف وبقاء الود، مع أنه له الحق في عدم الرجوع ما دام أن البيع قد تم، ولكنه اختار الأكمل، وهذا لا يفهمه إلا أصحاب الأخلاق العالية.
السماحة لو طبقناها في معاملاتنا المالية، لأبعدنا أنفسنا عن كثير من القضايا والحرج والخصومات التي تنتج عند غياب هذا الأصل في البيع والشراء.
أذكر قصة لأحد الأصحاب، أنه باع سيارته لشخص آخر ولم يبين له أن فيها عيباً يذهب كثيرا من قيمتها، ثم اكتشف المشتري هذا العيب وطالبه بالحق ووصل بهما الحال إلى ما قبل القضاء، فاستشارني، فسارعت بتذكيره بفضل السماحة وأنك لو كنت مكانه لفعلت مثله أو أشد، فدع عنك القضايا لتبقى المودة.
* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي
