إنه أسيد بن حضير بن عبد الأشهل الأنصاري، رضي الله عنه، فارس قومه وسيدهم، فأبوه حضير الكتائب زعيم الأوس، وواحد من كبار أشراف العرب في الجاهلية. ورث عن أبيه الشجاعة والجود ورجاحة الرأي، حتى لقب بالكامل. ولما أسلم أسيد على يد الداعية مصعب بن عمير، ما زاده الإسلام إلا عزاً وشرفاً، وعقلاً وكمالاً. فكان أسيد أحد النقباء الذين اختارهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ليلة العقبة الثانية.
يحدثنا الأستاذ عدنان حسن الخطيب، واعظ أول في دائرة الشؤون الإسلامية، عن حياة هذا الشاب العظيم، من صناع التاريخ، فيقول:
إن سرعة استجابة أسيد بن حضير لدعوة الحق دليل واضح على استنارة عقله وصفاء سريرته، فيوم دخل على مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة، متوشحاً حربته، يريد طردهما من دياره، خوفاً على قومه من إفساد عقولهم، سرعان ما انصاع لنداء العقل والمنطق على لسان مصعب: «أولا تجلس فتستمع؟! فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره». فقال: أنصفت. وجلس يصغي. ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد قائلاً: «ما أحسن هذا القول وأصدقه!! كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟».
نشر الخير
وما أن شرح الله صدره للإسلام، وأيقن أنه الحق، حتى سارع لنشر هذا الخير لكل قومه، وبدأ بأحب الناس إليه رفيق دربه وصديق عمره سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه. وهو يعلم أنه لو أسلم سعد لما تخلف أحد من قومه عن الدخول في الإسلام. عندها فكر أسيد بحيلة يستدرج فيها سعداً إلى مجلس مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة، فجاءه وقال: يا سعد، لقد سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وهم يعلمون أنه ابن خالتك، فقام سعد غضبان وفي يده حربته، ولما وصل إلى مصعب وأسعد وجدهما جالسين مطمئنين، عندها أدرك أن هذه حيلة من أسيد لكي يحمله على السعي إلى مصعب لسماعه، واستمع سعد لكلام مصعب، وصدقت فيه فراسة أسيد، وشرح الله صدره للإسلام، فأسلم. ثم قاما معاً إلى قومهما يدعوانهم للإسلام، حتى أسلموا جميعاً.
حكمة بالغة
لقد رهن أسيد نفسه لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصرة الإسلام. وبحكمة بالغة وأناة وعقل كان أسيد يعالج المواقف الحرجة، فيوم تطاول زعيم المنافقين أثناء غزوة بني المصطلق على المسلمين وقال لقومه: لقد أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقام أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه منها إن شاء الله، هو والله الذليل، وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز (حبات يطرز بها التاج) ليتوجوه على المدينة ملكاً، فهو يرى أن الإسلام قد سلبه ملكاً.
ويوم اجتمع الصحابة في السقيفة لاختيار خليفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لأسيد موقفه الحاسم في وأد الفتنة ونبذ الفرقة، فكان من المبادرين إلى مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، وقال مخاطباً قومه: لقد كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته.
وهكذا حفظ التاريخ لأسيد رضي الله عنه تلك المواقف العظيمة، ولم ينس له ما كان يتمتع به من سلامة السريرة وصفاء القلب ونداوة الصوت، حتى إن الملائكة كانت تجتمع عليه مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، تدنو لصوته تستمع منه القرآن.
ولما توفي أسيد، أبى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلا أن يحمل نعشه فوق كتفه، ويشارك الصحابة في دفنه في البقيع. وهم يستذكرون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل أسيد بن حضير».
