عندما تختلف الأمة أفراداً أو جماعات فتردّ أمورها إلى الله وإلى رسوله يتبين لها الحق من الضلال وتتجلى الحقائق للعيان.. فما أحرانا في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الأمة أن نحتكم إلى القرآن، لأن فيه بلا شك وحدة الأمة ونجاتها من الفرقة والتشرذم، فقد كفانا ما ذقناه من المذلة والهوان والضعف والأحزان.
ولا أدل على ذلك من تلكم المعضلات التي أحاطت بالأمة أفراداً وجماعات، وعندما رضوا بالقرآن حُكماً وحَكماً عادت المياه إلى مجاريها، ولله در هذا القاضي الأندلسي الذي شكا إليه أحدهم أنه قد استودع صاحبه أمانة، ولما جاء إليه يستردها منه ادعى أن الأمانة تلفت من غير تعدٍّ منه ولا تقصير. ولما سأل القاضي المدعى عليه عن حجته في ذلك، قال إنه بذل وسعه في حفظ الأمانة ولم يألُ لها جهداً في حفظها، ثم أكد حجته قائلاً: «كيف أهمل حفظي لهذه الأمانة التي كانت تؤخرني عن أداء الصلاة؟!».
عندئذٍ وعلى الفور أمره القاضي بضمان قيمتها؟! فتعجب القضاة من هذا الحكم، وقيل له: «كيف حكمت بذلك ولا بينة من المدعي ولا إقرار من المدعى عليه؟»، فأجاب: «بلى، إن المدعى عليه قد أقر على نفسه، وإنني قد تأولت قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «من ضيعها فهو لما سواها أضيع»، فلما اعترف بأنه ضيع أمانة الله علمتُ بأنه سيضيع أمانة البشر».
نعم، لقد وضع هذه القاضي قاعدة في معرفة الرجال، وهي أن الصلاة ميزان لسائر الأعمال.
حضارة القرآن
هناك في مغرب الإسلام، كانت وفود أوروبا تفد إلى بلاد الأندلس، لتنهل من معين المعرفة، ومنها كانت تنطلق قوافل العلماء إلى الغرب، حاملةً معها حضارة القرآن وعدالة السماء وسماحة القضاء.
ومرة أخرى يأتي دور القضاء لقطع دابر الاختلاف والفرقة في صفوف الأمة بالحجة القرآنية والحكمة النبوية، فقد اختلفت طائفتان من المسلمين، فقالت إحداهما: «إن سيدنا علياً، كرم الله وجهه، أفضل الأمة»، وقالت الأخرى: «إن سيدنا أبا بكر، رضي الله عنه، هو الأفضل، وقد ارتضوا بالإمام عبد الرحمن بن الجوزي حَكَماً بينهم، فارتقى المنبر، وبعد أن استفتح بالصلاة على النبي الكريم، عليه الصلاة وأفضل السلام وعلى آله الأطهار، أجاب: «خيرهما من كانت ابنته تحته»، لأن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زوجة علي، كرم الله وجهه، وعائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر، رضي الله عنه، فرضيت الطائفتان وأعادوا السيوف إلى أغمادها.
الفقير والغنيولا يزال التاريخ يسرد لنا الخلاف اللطيف بين الأغنياء مع الفقراء، وأي الفئتين أفضل عند الله عز وجل، فقال الفقراء: «إن الفقير الصابر أفضل عند الله، لأن الله لو رزقنا كما رزقكم لفعلنا مثل ما تفعلون من البذل والصدقة»، وقال الأغنياء: «بل نحن أفضل، لأننا شكرنا نعمة الغنى، وأدينا حق المال!»، وفي كل مرة يحتكمون إلى العلماء، فمنهم من قال: «الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر»، ومنهم من قال: «بل الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر»، وكل يدلي بحجته، وظل الأمر كذلك حتى فصل بينهم الإمام سفيان الثوري الخطاب، ورضيت الفرقتان بحجته، فقال، رحمه الله: «كلاهما سواء! لأن الله تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر شاكر ثناءً واحداً، فقال في وصف أيوب الذي مسّه الضر: «نعم العبد إنه أواب»، وقال في وصف سليمان الذي آتاه الله الملك والغنى: «نعم العبد إنه أواب».
ملَكة
إن تأويل كتاب الله عز وجل ملَكة إيمانية لا تهب رياحها الطاهرة إلا على أهل القرآن الذين ارتفعت أنفسهم عن سفاسف الأمور إلى معاليها، وعاشت في الأجواء الإيمانية العالية التي ترفرف عليها أجنحة الملائكة، يُباهى بهم في الملأ الأعلى، إنها هبة ربانية قرنها القرآن بالطاعة والتقوى، فقال عز وجل: «واتقوا الله ويعلمكم الله».
* أستاذ جامعي وإعلامي
