عندما يجوب المرءُ في رحاب أهل القرآن، يُقلب صفحاتهم ويتأمل كلماتهم المضيئة، يقف على ما لذّ وطاب من ثمراتهم، ذلك بأنها قطوف دانية من شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إنها شجرة القرآن.
يقول الإمام ابن العربي: «ما من خاصية أعطيها نبي من الأنبياء إلا وقد أعطيت لأمته منها نصيب تشاركه فيها. إلا ما وقع استثناؤه».
قال ابن العربي: «كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حباً شديداً فقال لها يوماً: أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أحسن من القمر!؟ فنهضت المرأة واحتجبت عنه، وبات الرجل ليلة ليلاء عظيمة، ولما أصبح غدا إلى الخليفة المنصور فأخبره الخبر ثم قال: يا أمير المؤمنين إن تمّ عليَّ طلاقها تصلّفت نفسي غمّاً، وكان الموت أحب إليّ من الحياة، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً.
فاستحضر الخليفة الفقهاء، واستفتاهم، فقالوا: لقد وقع الطلاق!!!. إلاّ رجل من أصحاب الإمام أبي حنيفة النعمان، فإنّه كان ساكتاً فالتفت إليه المنصور قائلاً: مالك لا تتكلّم؟ فأجاب: وكأني بهؤلاء العلماء لم يتدبروا القرآن الكريم؟ فقال الخليفة: وماذا يقول القرآن؟ قال الرجل: يقول القرآن: «والتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»، يا أمير المؤمنين: إن الإنسان أحسن الأشياء بنص القرآن، ولا شيء أحسن منه ولو كان القمر، فتعجّب المنصور من هذا الفقه الرّشيد والاستنباط السّديد، والتفت إلى الفقهاء قائلاً: ماذا تقولون في ما قاله صاحب أبي حنيفة فأجابوا: القول ما قاله الحنفي يا أمير المؤمنين ثم قال الخليفة لعيسى بن موسى الهاشمي: الأمر كما قال، فأقبِل على زوجك.
وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرّجل أن أطيعي زوجك، ولا تعصيه، فما طلّقكِ لأنك» أنت أجمل من القمر».
وصدق الله إذ يقول: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر».
امرأة تشكو زوجها
روى الماوردي وابن الجوزي وغيرهما من العلماء أن امرأة أتت إلى الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي خيِّر يصوم النهار، ويقوم الليل، وإني أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله. فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب، فقال له كعب الأسدي: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. فقال كعب: عليّ بزوجها، فأتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال لا.
فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم رشده... ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده... نهاره وليله ما يرقده...
فلست في أمر النساء أحمده... فاقض القضا كعب لا تردده...
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل... أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول... وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إن لها عليك حقاً يا رجل... نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك. تصوم نهارها وتقوم ليلها، ولها يوم وليلة. فقال عمر، والله ما أدري من أي أمرك أعجب؟ أمِن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
خواص
ذكر الشاطبي في موافقاته بضعاً وثلاثين خاصية تشارك الأمة فيها نبيها محمد، صلى الله عليه وسلم، وأجلها مزية الاحتجاج بكتاب الله وروعة الاستنباط منه، وهي من خصائص النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، لأن الله، جل ثناؤه، قال عن الرسول الكريم: «لتحكم بين الناس بما أراك الله»، وهذه الخاصية تشارك الأمة المحمدية فيها نبيها عليه السلام.
* أستاذ جامعي وإعلامي
