إن الاستنباط القرآني ملكة إيمانية لا تهب رياحها الطاهرة إلا على أهل القرآن الذين ارتفعت أنفسهم عن سفاسف الأمور إلى معاليها، وعاشت في تلكم الأجواء الإيمانية العالية الغالية التي ترفرف عليها أجنحة الملائكة تحرسُ أهلها، ويباهي بهم الملأ الأعلى، إنها هبة ربانية قرنها القرآن بالطاعة والتقوى فقال: «واتقوا الله ويعلمكم الله»... ومن هؤلاء قاضي بلاد الأندلس.. منذر بن سعيد البلوطي، الذي استنبط من فعل الخضر عليه السلام مع نبي الله موسى عليه السلام، لينقذ مشتكياً من ظلم كان سيقع عليه، إذ جاءه رجل يشكو ويقول: «عرضت داري للبيع، فأقبل الناس لشرائها من كل حدب وصوب، ولما علم مستشار الخليفة عبد الرحمن الناصر بذلك أعجبته وبعث إلى من يلزمني أن أبيعها له بثمن بخس، وكان فيها من الزاهدين!»، فقال له القاضي: «اذهب وبع دارك أنقاضاً»، أي جزّئ بيتك قسماً قسماً وبعه قطعة قطعة، ففعل الرجل ذلك وجاء بربح وفير.
ولما علم صاحب الناصر بذلك أرسل إليه عن سر صنيعه فأشار الرجل على القاضي لأنه عمل بمقتضى فتواه.
وجاء رسول صاحب الناصر إلى قاضي الجماعة غاضباً مدعياً أن الناصر سيسأله عن حجته الشرعية في ذلك. فما كان من القاضي إلا أن أخذ ورقة كتب فيها قوله تعالى: «أما السفينةُ فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردتُ أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً»،
أي أنه قد حكم للرجل أن يعيب داره فجزّأها قسماً قسماً كما أعاب الخَضر، عليه السلام، السفينة فخرقها متعمداً كي تزهد في عين الملك ولا يطمع فيها ذلك الملك الذي كان يغصب كل سفينة صالحة، ويعرض عن كل سفينة ذات عيب، وكذلك هذه الدار لو بقيت في يد صاحبها أو بيعت على ما كانت عليه لاستمرت عين الملك ممتدة إليها وانتقل الظلم إلى المشتري، مستهدياً بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».
استنباط باهر
يا لهُ من استنباط بهر الألباب وسحر العيون وما ذلك إلا ثمرة تلاوة وتدبر القرآن الكريم وتطبيقه له قانوناً في الحياة ودستوراً للحضارة.
على أي مشهد من مشاهد هذه القصة القرآنية نقف وفي أي أجواء من أجوائها نطير ولو طفنا لطال بنا المطاف.
إن سيدنا الخضر، عليه السلام، في هذه المشاهد التربوية الثلاثة كلها أنكر عليه سيدنا موسى أمراً مر عليه ما سبق من وقائع وأحداث في حياته فيسترجع ذلك الماضي ويجعله حاضراً وكأن لسان حاله يقول أعجبت أني عمدت إلى سفينة صالحة فخرقتها فخشيت أن يغرق أهلها!! أنسيت يا نبي الله عندما كنت صغيراً رضيعاً لا تملك لنفسك خيراً ولا نفعاً ووضعتك أمك في سفينة صغيرة «في التابوت» وألقتك في اليم وساقتك الريح في خضم البحر إلى حيث شاء القدر، لئن كنت تعجب من صنيعي فإن هذا الأمر أكثر عجباً يا نبي الله!
أعجبت يا نبي الله أني لقيت غلاماً فقتلته فقلت لي: «أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً».. أنسيت يا نبي الله عندما وكزت ذلك الرجل من بني إسرائيل فقتلته «فوكزه موسى فقضى عليه» عجباً لك يا نبي الله أتعجب مني أني عمدت إلى ذلك الجدار الذي يريد أن ينقض فأقمته وقلت لي: «لو شئت لاتخذت عليه أجراً»، أنسيت يا نبي الله عندما كنت في مدين وجاءتك إحدى بنات سيدنا شعيب، عليه السلام، فقالت: «إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا» فقلت: لا نأخذ على المعروف أجراً، فلئن تعجب من أمري هذا فأمرك، يا نبي الله، أكثر عجباً.
«وما فعلته عن أمري، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً» هذه ثلاثة بثلاثة ولو زدت يا نبي الله لزدناك ولكنك لن تستطيع معي صبراً.
* أستاذ جامعي وإعلامي
