"وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائلَ لتَعَارَفُوا"، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّة وَاحدَة".. تضمن القرآن الكريم آيات عدة تتحدث عن قبول الآخر، وبيان أنه فكرة حضارية، إنسانية.. بذلك تحدث الدكتور عبدالفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر، وعضو مجمع فقهاء الشريعة في أميركا، عن أنّ اختلاف الرؤى بين أفراد الأسرة الواحدة، فضلا عن أفراد المجتمع لا يقتضي التباغض، فقد كان سلف الأمة يختلفون ولم يحدث أن كفَّر أو فسَّق بعضهم بعضا، أو كره بعضهم غيره لمجرد اختلاف الرؤى. والدين وما به من شعائر تؤدى وفرائض تلبى ففيه من المشاعر ماهو أرقى بأصول أسمى.
وهناك الكثير من المواقف التي توائم بين الشعائر والمشاعر فإذا نظرنا إلى اختلاف الصحابة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لهم بعدم صلاة العصر إلا في بني قريظة، لم يفض إلى تسفيه أو تكفير أو تفسيق بعضهم لبعض، وأقرهم الرسول الكريم على ما توصلوا إليه، ولم يعنف منهم أحدا. وسبق أن اختلف عمر بن الخطاب مع أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، في قتال مانعي الزكاة، إلا أنه بالإقناع والموضوعية اقتنع عمر. وسبق أن اختلفا في جمع القرآن الكريم، وأنكر أبو بكر على عمر أن يعمل عملا لم يفعله الرسول الكريم، وأقنعه عمر بجدوى جمعه له فاقتنع، دون أن يرمي أحدهما الآخر بالكفر أو الفسق أو الابتداع.
وقبل ذلك اختلف عمر مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وظل رافضا لشروطها التي رآها مجحفة بالمسلمين، إلا أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أراد حقن دماء المسلمين، وحماية الجيش الإسلامي من الفناء في حرب غير متكافئة، والتفرغ للدعوة ونشر الإسلام خارج الجزيرة العربية وغير ذلك، فآثر أن يقبل بالصلح مع المشركين. فكان فتحا عظيما كما قال الله تعالى. وأوضح أن الإسلام لا ينهى عن التعايش مع الآخر غير المسلم سواء كتابي أو غير كتابي، في حدود الشريعة، والتعايش معه بسلام، إذا كان من المسالمين، سواء كان على شكل دول جوار، أو أفراد متجاورين في المسكن والعمل، والتعامل معهم تجارة، وتزاورا وضيافة.
وعقد العهود والعقود معهم، وأكل طعامهم، والتزوج بنسائهم، والإحسان إليهم بالبر والقسط، وفوق هذا وذاك احترام شعائرهم وعدم إيذاء مشاعرهم.
