»لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع، إنما تطلق حقيقة على الذين ابتدعوها، وقدموا فيها شريعة الهوى، بالاستنباط، والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، وشبههم منظور فيها ومحتاج إلى ردها والجواب عنها، وفق ما يقال في ألقاب الفرق، كلفظ أهل السنة، إنما يطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها، والحامين لذمارها«. وتناول عضو مجلس الأمة الكويتي والأستاذ في كلية الشريعة دكتور عبدالرحمن الجيران كل ذلك من خلال آيات فسرها لاستنباط غاياتها.
ويرشح ذلك في قول الله تعالى: »إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا« الأنعام 159، يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل التفريق، وقوله تعالى »وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا« آل عمران 159 وقوله: »فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ« آل عمران 7، فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغيرهم.
وكذلك قول الرسول الكريم: »حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم«، فأقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية المقتدى به فيها، بخلاف العوام فإنهم متبعون لما تقرر عند علمائهم ، فليسوا بمتبعين للمتشابه حقيقة، ولا هم متبعون للهوى وإنما يتبعون ما يقال لهم كائناً ما كان، فلا يطلق على العوام لفظ أهل الأهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا.
وعند ذلك يتعين للفظ أهل الأهواء، وأهل البدع، مدلول واحد وهو: من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره، كأهل الغفلة، والسالكين سبيل التقليد من غير نظر. والمسألة على قسمين: مبتدع ومقتد به. فالمقتدي به كأنه لم يدخل بمجرد الاقتداء، لأنه في حكم المتبع.
والمبتدع هو المخترع، أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، والله سبحانه وتعالى ذم أقواماً فقال: »إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ« الزخرف 22، فكأنهم استدلوا لدليل وهو الآباء، إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب. وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد.
