كانت حياته جهادًا متصلاً وإحساسًا بالمسئولية التي يحملها علي عاتقه، فلم يركن إلي جلال المنصب الذي يتقلده كشيخ للأزهر، بل تحرك في كل مكان سعيا لخدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس.

انه الشيخ عبد الحليم محمود، الذي ولد بمركز بلبيس بمحافظة الشرقية في مصر عام1910، لأسرة عُرفت بالتقوى والصلاح. درس والده بالأزهر، وان لم يكمل دراسته، فتمنى أن يرى في ابنه ما لم يره في نفسه، فألحقه بالأزهر عام 1923، وبعد أن حصل على العالمية سافر إلى فرنسا؛ لاستكمال تعليمه على نفقته الخاصة.

وحصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. وفورعودة الشيخ عبدالحليم إلى القاهرة عمل مدرسًا لعلم النفس بكلية اللغة العربية في الأزهر، وتدرج وظيفيًا حتى أصبح عميدًا لكلية أصول الدين، وعضوًا، ثم أمينًا عامًا لمجمع البحوث الإسلامية، فعمل على النهوض به، وأعاد تنظيمه، وأصبح وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر.

أثناء توليه مشيخة الأزهر أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارًا من شأنه تقليص صلاحيات شيخ الأزهر، وذلك لصالح وزير الأوقاف؛ فرفض الشيخ عبدالحليم الاستمرار في منصبه، وقدم استقالته، وحاول البعض إثناءه عن قراره إلا أنه صمم على اتخاذه، وأحدثت الاستقالة دويًا كبيرًا في العالم الإسلامي، ما أضطر السادات أن يعيد الأمور إلى نصابها من جديد، وإصدر قرارا بمعاملة كوزير من حيث المرتب والمعاش، وله كل الصلاحيات الخاصة بالشئون الدينية والدراسات الإسلامية، ما جعل الشيخ عبدالحليم يتراجع عن قراراستقالته.

وعمل شيخ الأزهرعلى زيادة المعاهد الأزهرية؛ ليحقق النهضة التعليمية للأزهر وأن يجعل له دورًا ورأيًا يصدر في بيان من الأزهر. وحرص أثناء توليه وزارة الأوقاف على العناية بالمساجد، فجدد عددًا من الأثرية المهملة، فأحياها من جديد مثل: جامع عمرو بن العاص. تصدى شيخ الأزهر الراحل إلى قانون الأحوال الشخصية الذي أرادت الوزيرة عائشة راتب إقراره دون الرجوع إلى مشيخة الأزهر، وكان القانون يتضمن تقييدًا على حقوق الزوج التي أقرها له الشرع، ونجح الشيخ في وقف القانون.

واهتم بقضايا المسلمين ومنها ما حدث في لبنان من حرب أهلية، ودعا الجميع للتوقف عن إراقة الدماء، وأرسل إلى جامعة الدول العربية يناشدها حسم هذه النزيف، كما اهتم بحل الخلاف الذي وقع بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية التي كانت محتلة من إسبانيا، ودعاهما إلى النقاش؛ لحل الأمور سلميًا، وأرسل إلى الرئيس السادات يطلب منه التدخل، وكان لتدخله أصداء قوية في هدوء الأوضاع. شعر بعد عودته من الأراضي المقدسة بآلام مبرحة أخضعته لعملية جراحية توفي على إثرها عام 1978.