أطلّ رمضان بنور لياليه وبهجة أسحاره، وهل هلاله باليُمن والخير والبركات، وأخذت الألسنة المؤمنة والقلوب المتوددة تردد كلمة الله في صلواتها وهي تقرأ في كتاب القرآن الكريم، وبدأ الجميع عادته في تجويد عبادته، حيث الالتزام بالصوم والحرص على تلاوة القرآن.
في شهر تهفو فيه الأرواح لكتاب الله، لتروي ظمأ أشواقها إلى الجنان، وهي تطمح وتطمع في الحسنات المضاعفة، وتستذكر وصيّة الحبيب المصطفى بكتاب الله تعالى. وقد أدرك أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أن وصيّة النبي الكريم لأمته كانت كتاب الله عز وجل، وهي وصية عظيمة وأمانة ثقيلة، فانطلقوا في رحاب الأرض يعلّمون كتاب الله للنّاس، ويقيمون شرع الله المقام في دفتيه، ويداومون على تلاوته آناء الليل وأطراف النّهار، يحملون تلك الوصية في صدورهم لتحميها القلوب من الضياع، إنّها تركة الحبيب "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنّتي"، وأعظِمْ بهما من أمانة، وأكرم بهما من وصيّة!
كتاب الله. وهل استقامت حياتهم واطمأنّت قلوبهم إلا بهذه الكلمات الطاهرة؟ وكيف لا يختار المؤمن كلام الله على ما دونه من كلام النّاس؟ فكلام البشر غثّه وسمينه، يظل كلاماً يحتمل الصواب والخطأ والترهات والطيبات، قابلاً للتأويل والتبديل، وأحاديث الناس لا تعدو أن تكون أحد أمرين الصدق أو الكذب، لغو أو مفيد، موزون بميزان الحسنات أو بميزان السيئات، فكيف لا ينبّه ويذكّر الرسول «صلى الله عليه وسلم» أمته بأن تأخذ بخير الكلام وتدع ما سواه، وأن تتخذ من القرآن منهج حياة وطمأنينة قلوب، وشفاء أبدان، وتزكية نفوس، وجلاء همّ، ومنجاة من النّار، وهو حق كلّه وهدى وخير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وتظلّ وصيّة الرسول «صلى الله عليه وسلم»، مناراً لأمته، تهتدي به، كلما حلك ليل أيامها، وتشرذمت حلقاتها، فتعود لتتوحّد على حب الله ورسوله، وتجتمع على كلمته الطيبة في كتاب الله العظيم وحصنه الحصين ودرعه المتين وتهتدي بخير الهدي سنّة سيدنا محمّد «صلى الله عليه وسلّم»، وتتوثّق عرى لحمتها على عهده ووعده ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، دون نقض لعهده ولا خلف لوعده، لتستحق أمة الإسلام وسام المحبة والتآلف والتوادّ والتعاطف، فيما بينها، وما حولها، فهي أمة المحبة والرحمة والخير الذي يتسع لكل بني البشر ويمتد ليحوط جميع الخلائق، وليسمّى نبيها «صلى الله عليه وسلم».. نبي الرحمة.
