"إن هناك أمما تمتلك أهرامات حجرية وهبتها لها الطبيعة، غير أن في الجزائر أهرامات بشرية أهم من تلك الحجرية فهي إرادية وليست هبة طبيعية يمكن لزلزال أن يذهبها"،هذا ما قاله الدكتور أحمد بن نعمان، حيث يشير إلى العلامة الجزائري محمد الصالح الصديق، صاحب 106 كتب في الفقه والتفسير والأدب والتاريخ والسير والتراجم، فضلا عن آلاف المقالات والدراسات التي نشرت للرجل منذ تخرجه عام 1951 من جامع الزيتونة في تونس.

والصديق المؤرخ والعالم الجليل، والمجاهد الفقيه الذي حارب الاستعمار الفرنسي، ولد في "أبيزار" بمنطقة القبائل الكبرى في 19 ديسمبر 1925 لعائلة من الأشراف المرابطين،ويبلغ الآن89 عاما أطال الله عمره، وقد حفظ القرآن ومبادئ اللغة العربية في سن الثامنة على يد والده الذي كان إماما، وفي تلك السن التقى ،الإمام العلامة عبد الحميد ابن باديس الذي تفاجأ بأن الطفل يحمل كتاب الله في صدره رغم صغر سنه، فوضع يده اليمنى على رأسه وقرأ قوله تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما" ودعا له أن يفتح الله أمامه أبواب المعرفة والعلم الخصيب، وهو ما كان بإذن الله.

لما عاد الشاب محمد الصالح، إلى الجزائر عام 1951 اشتغل في التدريس وتكفل إلى جانب ذلك بالنشاط السياسي ضد الاستعمار الفرنسي، إلى غاية اندلاع ثورة التحرير عام 1954 وتم تعيينه من قبل قادة الثورة مسؤولا عن المالية والأسلحة في منطقته بالقبائل الكبرى قبل أن تكتشفه الإدارة الاستعمارية وتقرر قتله ليتم تهريبه إلى فرنسا ومنها إلى تونس ثم ليبيا، حيث عمل في إحدى القواعد التابعة للثورة الجزائرية.

بعد الاستقلال في عام 1962 عمل سنة واحدة في وزارة الخارجية الجزائرية ليستقيل بعد ملاحظته للانحراف الذي حصل عن مبادئ وأهداف ثورة التحرير والأهداف النبيلة التي مات من أجلها مليون ونصف المليون شهيد، وعاد للالتحاق بالتعليم ثم بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف والتفرغ للبحث العلمي والتأليف ليصل عدد مؤلفاته 106 نشرت كلها ومنها كتاب "عالمية الإسلام وأخلاقيات رسوله" وكتابه دائع الصيت مقاصد القرآن الذي صدر له عام 1955، وسبب له متاعب لا حصر لها مع الإدارة الاستعمارية التي عذبته بسبب الكتاب وما تضمنه، وقال له الضابط الذي عذبه لرفضه الاعتراف، "إن من يؤلف كتابا كهذا لا يملك أن يكون محايدا" .