د.علي فخرو قال المفكر البحريني الدكتور علي فخرو إنه ومنذ بضع سنين أثناء شهر رمضان، وبوحي من المشاعر الروحية والذهنية التي يشعر بها الصائم، ألقيت محاضرة تساؤليَّة في الأساس. وتمثل السؤال حول أسباب توقَّف مسيرة قيام مختلف المدارس الفقهية التي تأسَّست بحيوية وعبقرية أثناء القرون الأولى من التاريخ الإسلامي ؟

لماذا حقَ للأَّولين الاجتهاد في فهم نصوص الدين من قرآن وسنًة صحيحة، اجتهاداً تميَّز بشموليَّة النظرة وأتساع الأفق وكثرة المواضيع، بينما تقتصر جهود علماء الإسلام في زماننا الحالي على اجتهادات محدودة  وقد تكون لمدرسة فقهية منذ قرون ؟ وأخيراً لماذا لا تؤسس مدرسة فقهية جديدة تأخذ الصالح والمعقول من جميع المدارس الفقهية القديمة وتضيف إليها مبادئ وقراءات حديثة تأخذ بعين الاعتبار دروس وخبرات التاريخ العربي ـ الإسلامي والعالمي ونتائج بحوث ودراسات العلوم الاجتماعية في حقول الاقتصاد والاجتماع والسياسة والنفس والأنثروبولوجي وغيرها والعلوم الطبيعية من صحية وفيزيائية وكيميائية كذلك؟

والمدرسة الجديدة لن تقوم على أكتاف رجل واحد، وإنما مؤسسة تجمع مجموعة علماء اختصاصيين في مختلف فروع الدين واختصاصات مختلف العلوم الاجتماعية والطبيعية من جهة ثانية. عند ذاك ستكون الاجتهادات للإجابة على أشكال جديدة من الأسئلة التي تطرحها التغيُّرات العصرية الهائلة في العلوم والتكنولوجيا وأنظمة الاقتصاد والاجتماع وممارسات الحياة الإنسانية بأشكالها الكثيرة، ستكون الإجابات غير معتمدة على شخص واحد وإنَّما على مجموعة الاختصاصيين من علماء الدين وغيرهم، خصوصاً وأن الحياة قد تعقَّدت والمعرفة قد توسعت وأصبح من المستحيل على فرد واحد الإلمام بكل الجوانب التي تحيط بالأسئلة والمسائل التي تحتاج للاجتهاد". ومنذ ذلك الحين زادتني الأيام والأحداث قناعة بضرورة قيام  المدرسة.

خاصة بعد قيام عشرات القنوات الفضائية الدينية، اختلط الحابل بالنابل من جرَّاء الاجتهادات الفرديَّة الممعنة في غرابة وهزلية بعضها، والتي تنمُ عن عدم إلمام مجتهديها بروح وعلوم وتغيُّرات العصر، وعن انغماسهمالمذهل في قراءات طائفية متعصٍّبة لهذا المذهب أو ذاك. ومن جهة ثانية انفجر الصٍّراع الطائفي  وكنتيجة لصراعات السياسة والاقتصاد والأمن، بات صراعاً لا دخل له بالخلافات الرَّزينة حول الفهم الفقهي لأمور الدين وإنما صراع لخدمة مصالح ضيِّقة أو مصالح خارجية ضاغطة.

وقال فخرو: في هذا الجو القائم على استغلال بشع للخلافات الفقهية الاجتهادية القديمة فيما بين المذاهب، والتي هي أيضاً كان جزء منها ناتج عن أمور الصراعات السياسية في تلك الأزمنة الغابرة والتي عفى عليها الزمن، أليس من الضروري والأصلح أن يقدر المسلم على الاختيار الحر فيما بين الانتماء لمذهب قديم أو الانتماء لمذهب جديد يبعده عن المماحكات الطائفية وعن بعض القراءات الفقهية الخاطئة التي لا تريد أن تخرج من تحت مظلّة الماضي واجتهادات الأولين؟ وتساءل هل هذا يعمًّق انقسام المسلمين؟

كلاً ، فكل الديانات لديها مذاهب ومدارسمختلفة تجتهد في قراءة نصوص الدين الأساسية. ثمَ لماذا لم يخف المسلمون القدامى على دينهم عندما قامت عدَة مدارس فقهية، وأصبحت مذاهب ثابتة واعتبرت اجتهاداتها تيسيراً لأمور المسلمين، بينما نخاف نحن من قيام مدرسة جديدة؟ ثم ألن يعني هذا التردُّد والخوف الحكم على علماء الدين وإخوانهم في زماننا الذي نعيش بالعقم وبأنهم ليسوا بكفوئين وقادرين على تقديم قراءات واجتهادات جديدة تأخذ بعين الاعتبار مستجدات العصر؟ وعلينا الاعتراف بأن هناك إشكالية اجتهادية يواجهها مسلمو اليوم ، وهناك حاجة لحلًّها. والحلول تبدأ دائما بطرح الأسئلة.