الوالدان محمد المزروعي وحميد العليلي يجلسان تحت ظلالها

الغاف رمز الصمود والتعايش مع البيئة الصحراوية

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

تحتل شجرة الغاف في نفوسنا مكانة مقدرة، فلقد كبرنا وهي تحيطنا من كل الجهات وعلى امتداد الرمال الشاسعة، وطالما كانت رمزاً لصمودنا وتعايشنا مع الظروف البيئة في الماضي، ظلالها الوافرة شهدت الكثير من مجالسنا وليالي السمر، والتي ربطتنا أكثر بالأرض وبالوطن، جيلاً بعد جيل، لا تخلو منازلنا في منطقة فلج المعلا من أشجارها على امتداد النظر.

مجلس مفتوح

وفى السياق، يقول الوالد حميد العليلي: قد يقف الكثير ممن لا يعرف خصائص هذه الشجرة متعجباً أمام حجمها وأغصانها ذات الأوراق الوافرة الظلال التي تنمو إلى الأعلى، رغم تواجدها ضمن نباتات البيئة الصحراوية، لذلك كان من الطبيعي أن تكون محط أنظارنا كموطنين كبرنا وكبرت عظمتها في نفوسنا، وباتت بمثابة مجلس مفتوح لشيوخ القبائل والأعيان على الكثبان الرملية الخفيضة وصفحات الرمال المتموجة وأطراف السهول الحصوية، وباتت من مظاهر الحياة العامة، ونقطة تواصل لا غنى عنها، فكان من الطبيعي أن يتوافد الناس إلى الجلوس تحت ظلالها للقاء واحتساء القهوة، حيث تذاع الأخبار وتتناقل.

تواصل ثقافي

ويتابع: كانت شجرة الغاف متصلة بكثير من المسائل الحياتية في ما يخص المجتمع المحلي في سالف الأيام، بما يمس العادات والتقاليد في المناسبات واستقبال الضيوف، وأسهمت في نشر الوعي الثقافي، إذ كانت تتحول إلى منابر ثقافية عندما تحتضن تحت أغصانها المجالس البدوية التي كثيراً ما تكون مكان إشعاع للشعر بنوعيه العامي والفصيح. وتعتبر أشجار الغاف نوادي ثقافية عندما كانت طبقة المثقفين والموهوبين لا يجدون أماكن للتجمع إلا تحت ظلالها، فتجد بين الحضور الأدباء والشعراء ورواة التاريخ والأمثال والحكايات الشعبية والأمجاد التي لا ينضب معينها، ما جعل الغاف مضرباً للأمثال ومنبعاً للروايات والحكايات التراثية.

وية وطن

وحول أوجه التشابه بين صفات شجرة الغاف والمواطن الإماراتي، يقول الوالد محمد المزروعي، نحن ننظر لهذا التشابه برمزية تمثل طابع هويتنا في تحمل الصعاب والمشاق والصمود في وجه المحن دون كلل، لتحقيق المعجزات عبر نهضة وطننا، وهي كذلك فعلت من خلال تحملها الحر الشديد والرياح الحارقة وفقد الماء وهي مثالية لمكافحة التصحر، وخلال فترات الجفاف الطويلة، عندما تكون معظم نباتات الصحراء في سبات، تنشر شجرة الغاف أغصانها الوارفة مثقلة بالأزهار والثمار، وهي تعتبر حلاً لمشكلة التصحر، إذ تثبت الكثبان، وتحسن التربة، وتتكاثر تلقائياً بإطلاق فروع جديدة من جذورها الأصلية.

جذور عميقة

ويضيف الوالد محمد المزروعي: تتكون جذور أشجار الغاف من مجموعة من الجذور العميقة في الغالب والسطحية أحياناً، وتعمل على امتصاص الرطوبة الأرضية أينما توافرت فالجذور السطحية الكثيفة تنتشر على سطح التربة لتستفيد من مياه الأمطار التي تسقط بسرعة ولفترات قصيرة. أما الجذور العميقة في باطن الأرض، فهي تبحث عن طبقة المياه الجوفية ولمسافات بعيدة قد تصل إلى 50 متراً في باطن الأرض، كما تتخذ بعض النباتات الشجيرية والمتعرشة من أشجار الغاف دعامات تنمو عليها. وتوفر ظلالها مناخاً مؤاتياً لكثير من الحيوانات في حر الصيف الحارق.

ثمار قرنية

ويقول الوالد محمد المزروعي: إن ثمرة شجرة الغاف تبدو قرنية وسميكة ويصل عددها إلى 12 قرناً، كما تختلف القرون بأشكالها وأطوالها، فتكون رفيعة أو مفلطحة أو منحنية وتحتوي على البذور المحاطة بمواد سكرية صفراء جافة وتصل نسبتها إلى 50 في المئة من الوزن الجاف للقرن وتسقط قرون الثمار مرتين في السنة الواحدة، وهي لا تتفتح بسبب الجفاف كغيرها من أنواع الثمار والبقوليات أي يمكن جمع البذور واستخراجها من القرون بسهولة دون ضياع أي منها.

استخدامات متنوعة

كما يشير الوالد حميد حميد العليلي إلى أن البدو لم يستغنوا يوماً عن شجرتهم المفضلة (الغاف) فهي نقطة انطلاق لروتين الحياة اليومية. ويختلف استخدامها حسب النوع، حيث يجود شجر الغاف بأفضل أنواع العسل في موسم الأزهار وتؤكل أوراقه عندما يكون مورقاً، وفي هذه الحالة يسمى مجيج «عبارة عن خلط الأرز والغاف ويضاف إليه المرق»، ويخلط بالجامي أو السمك أو الجاشع، وفي الزمن الماضي كان يخلط مع الدقوق (مسحوق الجراد). وأكد أن غافة الحضيب، خصوصاً، ذات الأغصان الكثيفة منها استخدمت في عمل سور للمنازل قديماً، ويحوون به مجالس الضيوف وحظائر الأبل، مشيراً إلى أن غاف القريطية استخدم لإطعام الإبل في الشتاء.

دواء عشبي

وفي المقابل، يؤكد الوالد محمد المزروعي أنه ما زال الكثير من المواطنين يستخدمون ورق الغاف الناعم ضد آلام الظهر، ويؤمنون بمقدرة أوراقها على تقوية الظهر وإزالة آلامه، لأن بها كمية وافرة من الكالسيوم. وحديثاً تم اكتشاف أهميتها لأصحاب أمراض الكبد، نظراً لتوفر البروتين النباتي الخفيف بها.

وتحمل شجرة الغاف العديد من الأسماء وذلك حسب عمرها، فتسمى «الحضيب» في صغرها، وعندما تنمو ويكبر عودها يطلق عليها «نشوة» ثم تسمى «عود». كما تسمى «الغاف» وتسمى مجموعة الغاف كذلك أعواد أو كيلة. ولشجرة الغاف جذع مستقيم يبدأ بالتفرع لبضعة أمتار فقط من الأرض، وفروعها العلوية مرنة طويلة ومتدلية، أما لحاؤها المائل لونه للبني الرمادي فإنه عادة ما يبدو متشققاً أو متصدعاً وأزهارها الصفراء تتفتّح في أواخر الربيع وبداية الصيف لتتطور إلى قرنات بأشكال.

 

في سطور

تعد شجرة الغاف منجماً نباتياً، فإلى جانب أنها من أغنى الأشجار بالفوائد التي استفاد منها سكان الصحراء، فكانوا يأكلون ورق شجر الغاف ويستخدمون خشبه وقوداً ومادة للبناء والأثاث، ويقيمون حظائر مواشيهم في غياضه. واليوم أضيفت إلى قيمته الاقتصادية ميزة جمالية في بعض المدن والقرى، حيث بات يزرع بكثافة.

شجرة البدو

حظيت أشجار «الغاف» بمكانة خاصة في التراث الإماراتي، وبرز ذلك خاصة من خلال الاهتمام الكبير من قبل المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث أصدر توجيهاته بمنع قطعها في كل إمارات الدولة، كما أمر باستزراع غابات جديدة واسعة وصل عددها في أبوظبي إلى أكثر من ستة ملايين شجرة تقريباً.

ولعبت دوراً مؤثراً في حياة البدو لأنها مصدر الغذاء الرئيسي للحيوانات البرية التي كانت تنجذب إلى أوراقها لتقتات منها وتستظل بها عندما ترتفع الحرارة بشدة في فصل الصيف، كما تعد هذه الأشجار ثروة عظيمة متعددة الفوائد وفي مقدمتها مكافحه التصحر، كما تدخل مكوناتها في صناعة الأدوية والمنتجات التجميلية، إضافة إلى استعمالاتها الغذائية، وتنمو الأشجار التي تسمى عربياً «الغاف» وعلمياً «البرسوبس» في الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، أي في كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان، وهي من انسب الأشجار التي يمكن أن يتم بها تشجير الصحارى لتثبيت الكثبان الرملية المتحركة وصد الرياح مع أحزمة الوقاية الخضراء، وهي أيضاً لتشجير الشوارع والطرق والمتنزهات العامة إذ تزيّنها وتضفي عليها سمة جمالية راقية.

فوائد بيئية

الغاف من الأشجار المعمرة، وتمتلك العديد من الفوائد البيئية حيث يمكنها أن تمتص نحو 34.65 كيلو جراماً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وبذلك تساعد في تقليل آثار التغير المناخي، وتتميز شجرة «الغاف» بقدرتها على البقاء في الظروف البيئية الصعبة، حيث يمكنها تحمل الجفاف وتستطيع الشجرة امتصاص المياه من عمق 20 متراً تحت سطح الأرض، وتنمو في بيئات كثيرة وتغطي مساحات شاسعة من أرض الدولة، بما في ذلك الكثبان الرملية وبعض البيئات ذات الأرض التي تميل إلى الملوحة، كما توجد أيضاً على المسطحات الرسوبية ذات الأرض الخشنة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات