الوالد راشد بن عسكور يستحضر قوالبها المعمارية

الحصون.. امتداد تاريخي للقيم الإماراتية المتوارثة وتراثها المادي

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

الموروث وتكويناته، كان ولا يزال مجالاً خصباً في ذاكرة الوالد راشد بن عسكور، التي ارتبطت بشكل أساسي بالتاريخ الحضاري والإنساني لمنطقة فلج المعلا العامة، بتراثها وقلاعها التي صمدت على مر العصور وما زالت تقوم بدورها في تغذية العقل الجمعي ومدّه بالقيم والتقاليد المتوارثة، التي هي جزء لا يتجزأ من هويتنا وتراثنا الحضاري، الذي نفخر به جميعاً، ونعمل على ضمان نشر ونقل مكوناته إلى الأجيال القادمة، عبر العديد من المبادرات التي تشرف عليها القيادة الرشيدة، ضمن مشروعها الثقافي لصون التراث المادي وغير المادي.

حصن الفلج

وحول أشهر القلاع والحصون المنتشرة في منطقة فلج المعلا، يقول الوالد راشد: يعود تاريخ إنشاء الحصن إلى عام ١٨٢٥م، وذلك في عهد الشيخ عبد الله بن راشد الأول والتابع لإمارة أم القيوين، وهو عبارة عن بناء مربع الشكل ذي برجين، أحدهما في الجهة الشمالية الشرقية، والآخر في الجهة الجنوبية الغربية، وفي داخله مجلس كبير للحاكم. ويحده من ناحية الشمال برج منصور، ومن الجنوب برج المنشر. ويتكون الحصن من ثلاث ردهات داخلية، تطل على الفناء الداخلي وبه العديد من أبراج المراقبة، وتكمن أهميته في حماية الجهة الشمالية والبرية للإمارة.

معلم حضاري

ويشير الوالد راشد إلى أن هناك خمسة أبراج لها تاريخ عريق، يمتد لأكثر من قرنين تقريباً، فهي من أقدم وأعرق المعالم الحضارية التي توجد في المدينة التي تشتهر بجمالها وروعة تشييدها، وذلك في عهد الشيخ عبد الله بن راشد الأول. وتمتد هذه الأبراج ومنها أبراج الشريعة، برج حليس والشمالي، الصنابي، الوسطاني، ابن بلاشة على طول الخط البري لمدينة فلج المعلا. وتكمن أهمية هذه الأبراج في المراقبة، ودرء وصد الأخطار في حالة وقوع أي اعتداء على الحصن والمدينة، براً أو بحراً.

مدافع حربية

ويوضح الوالد راشد: يوجد في منطقة اللبنة برج دائري ضخم وآخر مربع، إلى جانب العديد من الغرف. وتوجد أمام الحصن بعض المدافع الحربية التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر، وهناك سور أم القيوين الذي بني سنة 1768 من حجارة البحر، وربط بملاطة الجص، وذلك في عهد الشيخ راشد بن ماجد المعلا. وقد ارتبطت بالسور ثلاثة أبراج، هي: برج الليوارة، وبرج منصور، وبرج أشكارية، وهناك أبراج بخوت والسينية.

فنون المعمار

يعتقد الوالد راشد إن الحصون بشكل عام تزخر بعناصر معمارية وجماليات فنية تعكس البعد التاريخي لتكوينها العمراني، وبعدها الجمالي كذلك، حيث تعود بعض مفرداتها الفنية إلى الطابع المعماري للعصرين الأموي والعباسي، كما استخدم في بناء بعضها الحجر المرجاني والجص وأخشاب الصندل وجذوع النخيل، واستخدمت في بناء بعضها الآخر الأحجار الصدفية والطينية. ورغم أن بعض المعالم الرئيسية قد اختفت في بعض الحصون، إلا أن بعضها لا يزال يحتفظ بالعديد من التفاصيل الجمالية كالسقوف المصنوعة من الحجر وزخارف فتحات الرماية.

خط دفاع

ويقول الوالد راشد إن أهم ما يميز تلك الحصون هو الخامات المتنوعة، التي كانت متوفرة في بيئتها الجغرافية. وعلى سبيل المثال، في المناطق الجبلية استخدمت الحجارة لبناء الأبراج والجدران، أما في الواحات فقد بنيت الحصون من الحجر المصنوع من الطين والقش. وكان شكل الحصن أو القلعة في الأغلب عبارة عن أسوار عالية وجدران قوية، وتتكون أحياناً من طابقين، وتحتوي في الداخل على العديد من المرافق الحيوية، وفيما يتعلق بالأبراج فهي تُبنى عادة خارج البلد وتكون المسافة الفاصلة بين برج وآخر قرابة كيلومترين اثنين. ويُبنى البرج على شكل دائري أو مربع، والبرج المربع يطلق عليه المربعة، وتقام الأبراج عند تخوم المدن بشكل متفرق، وهي خط الدفاع الأول.

نشاط اجتماعي

ويشير الوالد راشد إلى أن المربعات هي مثال آخر على المباني الدفاعية وتكون منفصلة عن المحيط العمراني، أو متصلة بسور المدينة الدفاعي، ذات أشكال منتظمة مربعة الشكل أو مستطيلة، وهي تكمل الدور الذي يلعبه الحصن وتشكل خطاً دفاعياً أمامياً للمدينة، كما تستخدم في النشاطات الاجتماعية. ومن خلال معناها اللغوي فهي تكون بمثابة مجلس أو منزل للحاكم، وغالباً ما كانت تسمى بمسميات القبائل والشيوخ، ومنها ما سمي حسب شكلها الخارجي (مربعة أم الريول). ومن أهم المربعات القديمة: مربعة العانكة، التي بنيت سنة 1919، وهي ممر يؤدي إلى واحة العين من الجهة الجنوبية. وهناك نوع آخر من المباني المربعة يشار إليها بـ«الغرفة» وتستخدم كمجالس استقبال خاصة تبنى بأمر من الحاكم، أو أي شخص عالي المقام، لكي تعقد فيها الاجتماعات غير الرسمية أو استضافة الزوار، حيث يبنى المجلس عادة من طابقين: العلوي منه يستخدم في أشهر الصيف، حيث يطيب فيه الجو.

صخور مرجانية

ويضيف الوالد راشد: يتميز الشكل العام للمربعات بوضوح الكتلة المعمارية وضخامة المقياس المعماري، هذا إلى جانب الإبقاء على الشكل المربع الثابت المنتظم، في الواجهات من جميع الاتجاهات لتسهيل أغراض الدفاع. وقد استخدم في بناء المربعات الحجر الكبير الحجم مثل الصخور المرجانية إلى جانب الجص كمادة أساسية لإنشاء الجدران، التي يصل سمكها إلى أكثر من متر، وذلك لتأمين المتطلبات الدفاعية. كما استخدمت أخشاب الدعن والشندل في تسقيف الفراغات (الغرف) الانتفاعية التي بجانب السور الرئيسي للحصن. والمساحة الصماء تشكل النسبة الغالبة من الواجهة، حيث الفتحات الصغيرة وإيقاع توزيعها المعتمد على الفكر الدفاعي من حيث الموضع والتشكيل للسماح بالتحكم من الداخل للخارج وبزوايا رؤية مختلفة.

 

في سطور

أنماط تقليدية

مع تطور الحياة في الإمارات، واكتشاف الزراعة وحركة القوافل التجارية بين أجزاء الدولة، أخذت العمارة الدفاعية تظهر في المنطقة، وفي البداية بنيت الحصون والأبراج من الخشب، ومن ثم تطور البناء إلى تشييدها بالحجارة، وأصبحت بعد ذلك تُبنى من الطين وغير ذلك من مواد البناء التي كانت تستخدم في تلك المرحلة، وكان يُراعى في اختيار مواقع الحصون عدة أمور، منها الارتفاع، ومدى إمكانية التحكم وإدارة المناطق الأخرى من موقع الحصن، وبسبب طبيعة أرض الإمارات وموقعها الجغرافي المتميز، باعتبارها ممراً للتجارة بين الشرق والغرب، كان بناء الحصون والقلاع بالنسبة لأهالي المنطقة ضرورة لحماية أنفسهم ومدنهم وقراهم، كما كانت نقاط مراقبة، ومقراً وسكناً للحاكم، واستخدمت مخازن للطعام ومستودعات للمعدات الحربية. فالبناء التقليدي القديم هو ابن أرضه وبيئته قبل كل شيء، وفي وقت كانت وسائل الاتصال والمواصلات لا تزال تعتمد الوسائل القديمة، التي يستحيل معها نقل الأحجار وجلب الرخام وغيره من المواد المستعملة في البناء، فإن الصحراء طبعت العمارة التقليدية بتربتها ولونها في الإمارات.

وجهات استراتيجية

كانت للقلاع استخدامات هامة في التاريخ دولة الإمارات، كونها استحكاماً حربياً يبنى في منطقة استراتيجية، كالجبل والتل أو الروابي الصخرية أو على سواحل البحار، فهي قاصرة على المراقبة والدفاع ضد أي عدوان خارجي، فمكوناتها هي مكونات الحصن في البناء، وكلا البناءين يخدم الغرض في مسألة الدفاع وصد أي هجوم خارجي. والقلعة بوصفها بناء حربياً، فإن كل ساكنيها عسكريون، بخلاف الحصن الذي يجلس فيه الحاكم ومن معه من رعيته، ليتحول إلى مدينة صغيرة فيها المسجد وقصر الحكم وغير ذلك من المرافق الخدمية. وقد تطورت فنون بناء الحصون مع الزمن، فتحولت من مجرد أعمال ترابية وأسيجة تفرضها الحاجة إلى منشآت خشبية أو حجرية دائمة وأبنية معقدة في مواضع ذات أهمية استراتيجية عسكرية أو اقتصادية، تختلف مناعتها وشدة تحصينها باختلاف الغاية منها، وقوة العدو المحتمل وتسليحه وبراعته في القتال.

تشتهر منطقة فلج المعلا بطبيعتها السياحية الخلابة، هذه المدينة تعرف بتاريخها، فهي تحتوي على العديد من المعالم الحضارية، التي تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام تقريباً، ويتضح ذلك من خلال العديد من المناطق الأثرية العظيمة التي تنتشر على أرضها، وتوثق الطرز المعمارية المختلفة، التي تطورت في البلاد في العقود الماضية، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجمعية، ودليلاً على المحطات التاريخية التي مر بها المجتمع، خاصة أن الطرز المعمارية تستجيب في معظم الأحوال للعوامل الاجتماعية، والتفضيلات الفردية المتغيرة، وكل مرحلة لها طابع خاص، وتعكس المكونات الثقافية لكل حقبة زمنية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات