البحـــر.. كليم الذكريات وصدى عنفوان الشباب الصابر على المحن

الوالدان محمد حيدر وعيسى البلوشي في بيت الشاطئ

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

من منا لم يكلم البحر يوماً؟ ومن منا لم تسرق أمواجه المتعاقبة أفكاره السارحة بين ظن ويقين، فيترجم الصمت بوح كلماتنا المتناثرة بين مده وجذره، الذي لا ينتهي كما هي الحياة، فالبحر دواء لكل عليل، هو كليم الذكريات وصدى عنفوان شبابنا الثائر صبراً على المحن وتقلبات الزمن، لتتعاقب الحكايات والشخوص، بين أفراح وأتراح، لحظات قد ننساها وتبقى العبرة نقشا في الصدور نلفظ سطورها أمام عبابه المهيب، هكذا يفسر الوالد محمد حيدر علاقاته الحميمة مع البحر الذي يرى فيه خير نديم وحافظاً للأسرار.

سحر الشطآن

وفي السياق يقول الوالد عيسى البلوشي وهو يرحب بتلبية الوالد محمد لدعوته لزيارة غرف الشاطئ «سي بريز» الواقعة بوجهة «لامير»: أعلم تماماً مدى عشقك للبحر، فلم تتردد في تأجيل الموعد كعادتك فقد نطقت بالكلمة السحرية فور ردك على هاتفك المحمول، أتعلم بات يخيّل إليّ أن ظل أمواج البحر تسري بيننا الآن، لذلك أحببت أن أكون أول من يعرفك على هذه الغرف المطلة على شاطئ جميرا.

ويضحك الوالد محمد وهو يسير باتجاه غرفة الشاطئ قائلاً: لست وحدي من يعشق البحر، كلنا مغرمون بسطوته وقدرته السحرية على امتصاص أحزاننا ومشاركة أحلامنا وطموحاتنا والتخطيط لها، إنه متنفس للروح العليلة، كيف لا وقد ترعرعنا على حكايات البحر بين رحلات الغوص على اللؤلؤ وخبايا التجارة في الخليج وفرحة الصيادين بالرزق الوفير، إنها أحاديث لا تمل، ولكل حكاية عبرة ونهاية تعلمنا أن منبعها الترحال بحراً والتنقل بين شواطئ البلدان، فحمولة السفن لم تكن فقط بضائع ومنتجات بل أيضاً هي أيضا أخبار وأحوال لشعوب وأجناس لم نسمع عنهم من قبل.

أهازيج البحر

ويضيف الوالد عيسى مقاطعاً الوالد محمد وهو يدس في يديه فنجاناً من القهوة: نعم كان البحر منفذاً لاكتشاف العالم من حولنا، نقطة تواصل وتقارب لم يخب وهجها، كلما تذكرت أهازيج «الماشوه» التي تصدح بها حناجر البحارة على إيقاع مجاديف القـارب الـذي ينقلهم من السفينة الراسية بعيداً على الشاطئ والمجاديف ترتطم بالماء ويتخللها أصوات أخرى تكثر من الثناء على الله وحمده على سلامة الجميع، دون استخدام أي من الأدوات الموسيقية المتعارف عليها في المنطقة، لأنه غناء يهدف بالدرجة الأولى إلى بعث الحماس في نفوس الصيادين وتشجيعهم على العمل وبذل الجهد لتحقيق الصيد الوفير، ويعبر في أحيان كثيرة عن أشواق البحارة والغواصين لعائلاتهم، ويكشف عن حجم معاناتهم في موسم الغوص.

ويؤكد الوالد محمد أن الفنون البحرية الشعبية ومنها «الحدوة» تعتمد على ترداد لحن وكلمات موزونة أثناء الغوص ورحلات الصيد على السفن، وهذا الغناء يواكب سير العمل في السفينة، وهو فن مقتصر على البحر والبحارة ويحتوي على أغانٍ من نوع «اليامال» و«الخطفة» و«المداوئ» و«الفجري»، وأغانٍ شعبية خفيفة تخضع لقواعد محددة، كذلك أغاني الزهيري والموال والترانيم والاستهلالات والأدعية والابتهالات إذ تدخل جميعها في نطاق النهمة التي يغنيها النهام.

البوم سفار

يجلس الوالد محمد حيدر على أحد المقاعد في شرفة الغرفة المطلة على الشاطئ وهو يطالع أمواج البحر المتعاقبة ويكمل طالما عشقت سفن البوم من نوع «سفار» والمخصصة للرحلات الطويلة التي تطوف جميع موانئ الخليج العربي وآسيا وكذلك أفريقيا، كانت سفناً عملاقة في ذلك الوقت ويقدر طولها بأكثر من 150 قدماً، وقادرة على تحميل بضائع قد تصل إلى 800 طن، وأذكر أن السر وراء صلابتها هي قيام الحرفيين بصناعة هياكل تلك السفن من أخشاب شجرة «الساج» الهندية والمعروف عنها قدرتها العجيبة على مقاومة امتصاص الماء، أما قاعدة السفينة كانت من خشب أشجار ‹›اللوريل«الذي يعرف محلياً باسم ‹›الجنقلي››، كان الحرفيون يقضون أياماً وشهوراً في تشييد هذه السفن يدوياً بواسطة المسامير الحديدية، حيث كان «دق الجدوم» وقطع وصقل الخشب، يشكلان نغماً خاصاً يشجع على استمرر العمل، ليصبح أكثر من مقبول وممتع، مع الجهد والتعب المصاحب له، كما كان تنزيل أو تجديف السفينة إلى الماء مناسباً وفناً يشترك فيه الجميع من أبناء المنطقة رجالاً ونساء، وقد تعددت وتنوعت الفنون الشعبية المرتبطة بهذه المهن، بتنوعها وتنوع أسلوب أدائها.

أصدقاء الصيد

ويشير الوالد عيسى إلى الوالد محمد بالاستعداد للنزول إلى الشاطئ، وهو يساعده على الوقوف، قائلاً: لنتمشَ قليلاً، الجو معتدل والنسيم عليل، نحن نختلف في عشقنا للبحر والسفن، في كثير من الأمور منها أنك تهوى الاطلاع على أخبار الأمم وخصائص بيئاتهم، وتقاليد الزواج والمناسبات، ماذا يأكلون، وما هي أشهر الحرف لديهم، وتعلمت العديد من الكلمات والجمل التي تخص أهلها، أما أنا فلم أتغير إلى يومنا هذا، فمازال الصيد هو أعظم هواياتي، التي تذكرني بأصدقاء الفريج وجمعتنا الكبيرة تحت إشراف أبو محمد الصياد الذي علمنا الصيد في موسم الشتاء نركب القوارب الخشبية ونلقي في البحر شباك»الضغوة››، المحاكة على شكل عقد مربعة لكي لا تخرج الأسماك منها ويقف على جانبي الشاطئ جماعة من جهة اليمين وأخرى من جهة اليسار لكي يسحبوا الشباك من البحر بعد عدة دقائق ويقوم بعض منا بسحب تلك الشباك ويقوم بفتحها وإخراج الأسماك على الشاطئ.

تراجيديا الحياة والموت

«البحر في الذاكرة الإماراتية: تراجيديا الحياة والموت» لمؤلفه الروائي علي أبو الريش، يقع الكتاب في 312 صفحة من القطع الوسط، ويقدم فيه أبو الريش دراسة عن أثر البحر وحضوره في الذاكرة الإماراتية من صور فينومينولوجية قائمة بذاتها في الذهنية الفردية، كما هي راسخة في اللاشعور الجمعي لدى المجتمع، وما وفّرته من اختزالات للموت، كما وسّعت مدارك الحياة، فالبحر ليس لساناً مائياً مجاوراً لليابسة فحسب، بل هو وجود حياة، وملاذ وجود، فضلاً عن أنه مصدر جلال بما يكتنفه من سطوة على الوجدان الإماراتي، فالبحر الذي كان مخزن رزق، وتربة نبات إحيائي، كان أيضاً الهوة السحيقة التي ابتلعت أرواحاً، حيث السفر البعيد، في أعماق البحر، كان محفوفاً بمخاطره، كما كان الغوص في أحشاء البحر نقطة المفارقة بين الحياة والموت، ويقول أبو الريش في خاتمة كتابه: «لجلال البحر ورقصة الموج جنون وعبقرية الوجود، ولصوت النهّام عزف على أوتار اللهفة المباركة، وللسفر البعيد في أعماق الحلم، تبدو الحياة رحلة طويلة محملة بحركة المجداف ورفرفة الأشرعة».

خزينة التراث

لقب الخبراء والمهتمين بالتراث البحري في دولة الإمارات الراحل خميس راشد بن زعل الرميثي بـخزينة التراث بما يمتلكه من المعلومات والمعارف التاريخية والتراثية، كما كان شاعراً معروفاً وله ديوان حمل اسم «ديوان بن زعل»، فضلاً عن قصائد عديدة انصبت حول البيئة البحرية والحرف التي عمل فيها مثل الصيد والسباقات البحريّة للمحامل الشراعيّة وقوارب التجديف وصيد اللؤلؤ، كما أبدع الراحل بكتابة وأبيات وقصائد شعرية لفن الغناء البحري والمعروف بـ«النهامة»يشدو بها في مختلف المناسبات التي يعيشها أهل البحر بما امتلكه من صوت شجي، وكانت للراحل علاقات وطيدة بأشهر العائلات التي عملت في مهنة الغوص والصيد والتجارة، كما ترك، رحمه الله، إرثاً فريداً من اللؤلؤ الطبيعي النادر الأحجام، يتخطى الأربعين حبة.

في سطور

يشكل تراث الشعوب الحصيلة الإنسانية لكافة جوانب الحياة ومزايا تطورها ونموها، فالتراث الشعبي لكل أمة وأي مجتمع هو ينبوع الثقافة والأصالة الذي يغذي الوعي القومي والمجتمعي لدى الفرد والجماعة في المجتمع الواحد وهذا يتمثل في منطقة الخليج العربي، حيث تشترك شعوبها بمقومات وأسس اجتماعية وثقافية واحدة استمدت قوتها وعراقتها من تراث إسلامي عربي واحد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات