الوالد حسن الحمادي

«طماشة».. رؤى سينمائية نابضة بدهشة الحكايات وألق الخرافة

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخالصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

شهد المجتمع الإماراتي خلال مساء يوم صيفي معتق بالنسائم الباردة بمنتصف الأربعينات، داراً لها سور وأبواب ولكن دون سقف، تدعوه للحيرة والتأمل، هي خالية من أي أثاث سوى مقاعد من علب معدنية أسطوانية عريضة، مليئة بالرمل لتحفظ توازن من يجلس عليها، جهزت على عجل للفرجة تتصف بانتظام، مما زاد من فضول الأهالي وظلت عيونهم معلقة على هذه «الطماشة»، وما يعرض أمامهم من شخوص تنبض بدهشة الحكايات وعبرة الخرافة، تتحرك وتبتسم في انفعال بواسطة أول أجهزة سينمائية بقياس 16 مليميتر.

كنت صغيراً في ذلك الوقت ولم أفهم كثيراً ما هي الفائدة من كل ذلك، ولم أستغرق كثيراً في التفكير على ما هو على اليابسة، فقلبي معلق بالبحر ومغامراته الواقعة بين الحقيقة والخيال.

طابع كلاسيكي

كانت تلك ذكريات من عهد مضى استوقفت الوالد حسن الحمادي عندما تلقى دعوة من طيف البلوشي وصديقاتها هند إبراهيم، وخلود الأميري لمشاهدة أحدث الأفلام المعروضة بسينما روكسي بوكس بارك، والتي تضمّ خمس صالات ومطعماً يتيح لمحبي السينما في المدينة التمتع بتجربة فريدة، وتتميز السينما بطابعها الحصري فيخيّل لزوارها أنهم يدخلون نادياً خاصاً مع شباك تذاكر يولّد شعوراً بالحنين إلى زمن السينما الجميل.

فديكور «ذا روكسي» الداخلي شبيه بصالات السينما القديمة، إذ يتسم بطابعه الكلاسيكي، وتنتشر على جدرانه ملصقات الأفلام السينمائية العريقة. ويمكن لروّاد السينما أيضاً زيارة المكتبة داخل «ذا روكسي» ليتصفّحوا مجموعة من أشهر الكتب المتعلقة بالصناعة السينمائية.

دهشة بصرية

وخلال اختيار الصديقات للفيلم المنشود قال الوالد حسن الحمادي: التطور والتكنولوجيا تدب في الأشياء من حولنا، واليوم هي تلقي بظلالها على صالات السينما التي باتت عنواناً للدهشة الكاملة، أذكر أن بدايات عهد السينما في الإمارات عرضت أفلاماً صامتة، وفي أواخر الخمسينات عرض أول فيلم هندي وكان بعنوان الألوان السبعة في سينما هارون في الشارقة، وسينما الوطن بدبي لصاحبها صالح العصيمي، وأخرى في رأس الخيمة عرفت بسينما النخيل، لم يكن الحضور قوياً على تلك الأفلام المعروضة، فهي ما زالت تتلمس طريقها لبناء ثقافتها وجذورها كأحد الفنون البصرية الممتعة والتي تحمل قيمة كبيرة.

قصص الجدات

وحول ما إذا كان يعشق الوالد حسن الخراريف وحكايات البحر أكثر من السينما، يضحك الوالد ويقول: كما قلت في السابق لم تكن السينما في ذلك الوقت من وسائل الترفيه المتعارف عليها، وكانت جلسات السمر وقصص الجدات التي تطلق نوافذ الخيال نحو الفكرة في ذاتها، بما تحمل من حل وعقدة وإجابة على تساؤلات مبهمة، هي عالم سحري بكل ما فيه ونسيج متماسك في بناء الأحداث لا يمكن تجاهل قيمته في نفوسنا إلى يومنا هذا.

ويضيف الوالد حسن: أذكر أن أشهرها كانت خروفة تحكي عن جنية بديعة الجمال كان اسمها «أم الدويس»، وجهها كالقمر في تمامه، طويلة القامة ناعمة الصوت لا يقاوم صوتها رجل، شعرها حريري طويل، رائحتها مسك وعنبر يشم الناس رائحتها الزكية عن بعد، ثيابها جميلة براقة، يحليها الذهب والألماس، عرف عنها أنها اعتادت إغواء الرجال، تبهرهم، تسحرهم بجمالها، تطلب منهم أن يتبعوها؛ فتتحول فجأة إلى عجوز قبيحة الشكل كريهة الرائحة، وتظل تلاحقهم حتى تقتلهم، اعتاد الناس من يومها أن يسموا كل امرأة تبالغ في زينتها بـ (أم الدويس)، وكأنها تتزين بهدف الإغواء.

عوالم ساحرة

وتعليقاً على حديث الوالد حسن تقول طيف بعد أن أخذ الجميع مكانه في صالة عرض الفيلم: اليوم تعد الحكاية الشعبية أهم مصدر يلجأ إليه كتاب الدراما في السينما، لما تتسم به من خلق عالم سحري وخيالي مرتبط بثقافة المجتمع، فهي ليست مجرد عنصر جذب وتشويق وإثارة للخيال فحسب، بل هي موسوعة معلوماتية تاريخية وجغرافية بجانب أهداف تربوية وتعليمية عديدة لدورها الأساسي في التنشئة الاجتماعية والنفسية للطفل ولقربها من وجدانه وإثارة خياله، فهو يختبر الأشكال ويضيف ويحذف ويعدل وينسخ كي يظل هذا الأدب مسايراً لمقتضيات الحياة المتطورة.

وتؤكد هند أن السينما اليوم تقوم بدورها الذي يسير بالتوازي مع أهمية القصص الشعبية «الخراريف» التي تعكس عادات المجتمع وتقاليده، والحياة بصورها الواقعية وتقدم للفرد الموعظة الحسنة وتضيء الطريق أمامه، وتشير إلى العوامل السلبية والإيجابية في المجتمع والفرد، فتحارب الأفكار السيئة وتسند السليمة منها. وهي نابعة من المجتمع تتناقل من الآباء إلى الأبناء ومن جيل إلى آخر، ولا تتأثر بالتغيرات التي تحدث في المجتمع، فهي راسخة وثابتة رغم التحول والتطور الذي يحدث في المجتمع، نابعة من البيئة ومن عادات المجتمع وتقاليده.

شخوص مرئية

وتعتقد خلود، أنه ليس هناك تقاطع في الأهداف، ولكن كما قال الوالد حسن ذلك هو التطور العلمي والتكنولوجي لتجسيد ذلك الخيال إلى شخوص حقيقية مشاهدة، وتقوم بدورها أيضاً من خلال مجموعة من الأفلام الجادة في تأصيل القيم والعلاقات الاجتماعية التي ترتبط بأفكار وتجارب تتعلق بحياة الإنسان، وقد ترددت على لسان الأطفال منذ أن وجدت الحياة الإنسانية، فهي وليدة حياة وعادات ومعتقدات في أزمنة بعيدة، ومن هذه الحكايات ما يصح تقديمه على ذلك فهي مصدر من مصادر اللغة القومية وقواعد العرف والتقاليد الاجتماعية وعالم رحب يفوق عالم الإنسان المحصور في بيئته، عالم يشمل جميع العوالم المرئية المدركة، وينطلق منها إلى عوالم من صنع الخيال، ففي عالم الحكاية الشعبية يلتقي عالم الإنسان بعالم الحيوان وعالم السماء والأرض وعالم البحار دون حواجز وقدرات محدودة.

الثقافة السينمائية

عرفت المجتمعات فنون الحكايا عبر عصور الإنسانية، والتي نهضت بتطور المجتمعات وتجانسها في الكثير منها تبدو متشابهة، وساهمت السينما الحديثة في إظهار تلك الروابط، ومنها الحكاية الميثولوجية والتي تعني في اللغة اليونانية الأسطورة أو الخرافة، وهي حكاية تستعين بالخيال الإنساني مرتبطة بالأرباب والأبطال وبأعمالهم ومغامراتهم، فهي تفسر قوى الطبيعة الخارقة، وتعد الميثولوجيا اليونانية ثروة خاصة ذا أهمية كبيرة في الحضارة الإنسانية منها خرافات (برميثيوس).

ومن الحكايات الأخرى (الملاحم) التي تحكي وقائع الأبطال ومغامراتهم وما قدموه من أعمال مذهلة في سبيل توحيد عناصر مجتمع من المجتمعات، فالثقافة السينمائية قوّة فاعلة من قوى البناء الحضاري في مدلوله الشامل، الفلسفي والأدبي، السياسي والاجتماعي، الاقتصادي والتنموي. والثقافة طاقةٌ للإبداع في شتّى حقول النشاط الإنساني، والثقافة البنائية الهادفة الفاعلة، لابد وأن تكون في خدمة السياسات التي تتجه نحو ترقية وجدان الإنسان، وتهذيب روحه، وصقل مواهبه، وتوظيف طاقاته وملكاته في البناء والتعمير.

ديوان الخبرات

الوسيلة الأساسية لتداول الأدب الشعبي هي المشافهة والاستماع، وكلاهما يخضع لمتغيرات الإضافة أو الحذف أو التعديل في المحتوى ليتفق مع ظروف العصر، والأدب الشعبي ليس حكراً على فئة بعينها، ولا قاصر على التأريخ لطبقة معينة، وإنما هو ملك شائع لجميع أفراد الشعب بمختلف توجهاتهم وسماتهم الثقافية، كما أنه أثر خاص في النفس ويضم العديد من مكونات الجمال التي تتضمنها الأحاسيس الشعبية التي تثير الفرد وتعرض له الاحتياجات العامة لجموع الشعب على اختلافها، والأدب الشعبي ليس مجرد تناول للأقاصيص والحكايات والأساطير، بل هو ديوان حي تتراكم فيه الخبرات لدى المجتمع.

في سطور

تعد الحكاية من أبجديات العمل السينمائي في العديد من الأعمال المقدمة والتي ما زالت تقدم إلى يومنا هذا، لارتباطها بالمورث والتقاليد التي يتم المحافظة عليها عبر توثيقها، وهي جزء من الأدب الشعبي ولها معنيان المعنى الأول واسع يشمل ألوان السرد القصصي المتناقل بين الناس من جيل إلى آخر، والنوع الثاني خاص يراد به الحكاية الشعبية أو حكاية الواقع الاجتماعي، وتندرج ضمن أنماط كثيرة من الموروثات الشعبية مثل الحكاية الشعبية، الحكاية الخرافية، والحكاية المرحة، وحكايات الحيوان، وحكايات الجان، وحكايات التجارب الشخصية، وحكايات الشطار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات