الوالد حمد الشامسي يلبي دعوة الشباب

القهوة.. أصلها عربي قبل تحولها إلى علامة إيطالية وموضة فرنسية

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخالصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

القهوة شراب الحكماء وأهل الفطنة من قديم الزمان، تعزي مرارتها من أضاعوا الوسن واستعانوا بها صبراً في توالي نكبات الدهر ليشدو وسن الصبر. يقال إن أصلها عربي فقد بدأت مع الصوفيين في اليمن، لتتجه شمالاً عبر الصحراء إلى مكة المكرمة، ثم إلى القاهرة، ثم تعبر البحر المتوسط إلى القسطنطينية، ومنها تحولت القهوة إلى علامة إيطالية وموضة راقية في باريس ولندن وبوسطن الأميركية. ولم يكن الحال غير ذلك في دولة الإمارات، كبرنا ونحن نستقبل ضيوفنا وفى أيدينا دلال القهوة والتي باتت عنواناً للبوح وتقريب المسافات، هكذا بدأ حديثه الوالد حمد الشامسي وهو يلبي دعوة الشباب لمشاركتهم في الجلوس في أحد المقاهي العصرية واحتساء فنجان قهوة على الطريقة الحديثة.

عشاق القهوة

يماني الغفاري وأصدقاؤه الشباب عبد الله لؤي وأحمد عبيد يجمعهم عشق القهوة، رغم تعدد هواياتهم واختلاف مشاريعهم المستقبلية بين رؤى حالمة على مقاعد الدراسة وخطوات عملية منها التطوع المجتمعي والمؤثر، ولكن تبقى القهوة ملاذهم بعد نهاية يوم طويل فهم يفضلونها عصرية وممزوجة بالحليب وغيرها من النكهات التي طورها الغرب وتفننوا في صناعتها بداية بالإسبرسّو الملكة كما يلقبها يماني العاشق لتصوير مدينته والتعبير عنها ومرورا بأكواب الكابتشينو التي يعشقها عبد الله المتعمق في البحث عن الجذور التاريخية لكل الأشياء من حوله ورغوة قهوة الموكا الممزوجة بالشكولاته التي تثير خيال أحمد عبيد.

حكايا المورث

وكعادة الأصدقاء يختلفون ويلتقون في كثير من الموضوعات التي قد تكون حديث الساعة، وعند الحديث عن القهوة اكتشفوا أنهم يمتلكون الكثير من المعلومات عنها في الثقافات العالمية ولكن لم يلتفت يوماً أحدهم لسد فجوة تلك المعلومات في نطاقها المحلي فيما يتعلق بالقهوة العربية، لذلك قرر الأصدقاء دعوة الوالد حمد الشامسي الذي كان يعمل في مؤسسة بريد الإمارات لأكثر من 40 عاماً، ويشاركهم أيضاً عشقهم للقهوة، ويمتلك الكثير من المعلومات المتوارثة التي قد تشبع فضولهم حولها.

حديقة العلم

وفي الموعد المحدد وفي الساعة 10 صباحا انطلق الشباب إلى منزل الوالد حمد الشامسي وكانت وجهتهم حديقة العلم بعجمان التي تقع بالقرب من المركز الثقافي بعجمان، بمنطقة الجرف وتتضمن نصباً تذكارياً لشهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم تلبية لنداء الوطن الغالي وبات معلما مهماً من معالم الإمارة، وصرحاً يزوره الجميع، متذكرين بطولات الشهداء الخالدة وتضحياتهم المشرفة التي تستحق أن تُخلّد في كتب التاريخ، وتُغرس في عقول الجيل القادم، ليتعلموها معنى للولاء والعطاء.

شبه الجزيرة

وبعد زيارة النصب التذكاري وجولة في أرجاء الحديقة اصطحب الأصدقاء الوالد حمد إلى مقاهٍ عصرية بداخل الحديقة تملكها عائلة إماراتية، وفي سياق الحديث حول القهوة استمع الأصدقاء إلى حكايات وفنون صناعتها وعلاقتها بالتاريخ والتقاليد وفي سياق الحديث أكد الوالد حمد: أنه وفقا للكاتب جوناثان كورييل، صاحب كتاب «هذه الأمريكا» إن أصل القهوة يعود إلى شبه الجزيرة العربية في القرن 15 الميلادي، حيث وجدت طريقها من هناك إلى أوروبا بعد مئتي سنة.

 

دلة نحاس

ويضيف الوالد حمد في شق آخر من الحديث إن تاريخ ظهور الدلة بمختلف أشكالها يعود إلى آلاف السنين، فقد ظهرت بداية في الجزيرة العربية قبل 500 عام من الميلاد. وعرفت البادية العربية منذ مئات السنين الدلال والفناجين واستخدمتها بشكلها الحالي، واعتمدتها كأدوات لسقاية القهوة العربية أحد رموز العراقة والضيافة، كما تطورت الفناجين مع مرور الزمن من أوان فخارية متسعة إلى أوان زجاجية وخزفية صغيرة، فيما حرص الأجداد على إشعال نار المعاميل لدلال القهوة التي كانت تصنع من النحاس، وأن تكون جاهزة في بيوت الشعر، للترحيب بالأقارب والضيوف.

فنجان زايد

ويضيف قائلاً: وسط دهشة الأصدقاء: تبارى الشعراء في وصفها فهي تشكل رمز الكرم العربي، وارتبطت أمثال كثيرة بهذا مثل: «القهوة ما من سواها، من قلاها ومن الشيل نقاها»، وهناك بيتان مشهوران للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «قم سولي من البن فنيال.. وضيف إلي تبغي تضيفه، يا محتوي حسنات لخصال.. أطباع وأخلاق لطيفه»، كما تربى أهل البادية في حياتهم القديمة عليها، حيث كانت تستهوي الناس وتجمعهم على شربها مع سر الأحاديث والأخبار، وهي في الأساس نشأت في اليمن وانتقلت إلى أنحاء الجزيرة العربية، وارتبط اكتشافها بقصص وحكايات وأساطير.

بن المخا

الحديث عن القصص والأساطير حفزت أحمد عبيد المحب لقهوة الموكا لمقاطعة الوالد حمد وسؤاله حول إذا ما كانت أصل قهوته المفضلة هي اليمن، يبتسم الوالد حمد لسعة اطلاعه ويجيب: نعم فهي كلمة محرفة تعني البن الذي أصله من مدينة المخا في اليمن، التي تعرف فيها التجار الغربيون على القهوة لأول مرة في القرن السادس عشر وظلت أكبر مصدر له لقرون. إلا أنه من الواضح تأثير اسم مدينة المخا على بعض أنواع القهوة التي سميت نسبة لها. وتشير بعض المراجع أن البن عموما انتشر إلى مختلف أنحاء العالم عبر اليمن والمخا ميناء يمني على البحر الأحمر مرت عبره حبوب البن، الأمر الذي يمكن أن يكون له علاقة بالتسمية أيضاً. وقد خصصت بعض الدول اسم موكا لقهوة معدة بطريقتها الخاص.

في سطور

شمال إيطاليا

يرى أحمد عبيد أن الكابتشينو في شكلها الحالي لم تعرف في الكتابات الإيطالية حتى القرن الـ20. ولكن الكلمة الألمانية «كابوزينر» أشير لها كمشروب قهوة ظهر في القرن الـ18 في النمسا، وكانت مشروباً شائعاً أثناء الحرب العالمية الأولى في مقاهي شمال إيطاليا التي كانت في ذلك الوقت لا تزال تنتمي إلى النمسا.

عادات أصيلة

تحدث الوالد حمد الشامسي عن عادات تقديم القهوة في الإمارات، والتي ما زالت تمارس إلى يومنا هذا، وقال: قديماً كان يقال «القهوة بنت حمصتها» وهذا يعني كلما كانت طازجة ومطبوخة بالطريقة المناسبة وبدرجة تحميص معينة تكون النتيجة رائعة، ومن المهم التأكد من تحميصها على النار بشكل متجانس، فحبة واحدة غير ناضجة تؤثر في طعمها، والقهوة تميزت بآداب حفرت في الأذهان ولم يغيرها الزمن وما من تهاون في ذلك كأن تقدم في دلة نحاسية، ويقدمها المقهوي من الحركة واقفاً ويبدأ من الضيف الكبير مروراً بالآخرين، كما من الضرورة أن يمسك الدلة باليسار ويقدم الفنجان باليد اليمنى، على أن يمسك الفنجان من أسفل عند التقديم، وتوضع فيه كمية قليلة من القهوة رشفة أو رشفتين، ويستمر المقهوي بصب القهوة إلى أن يهز الضيف الفنجان وهذا يعني أنه اكتفى وينتقل إلى الذي يليه، وإن فعل العكس يعد هذا عيباً يخالف العادات والتقاليد العربية الإماراتية.

قلنسوة الراهب

«كابتيوم» تعني قلنسوة، وهي أيضاً تصغير لكلمة «كابوتشو» الإيطالية وتعني القلنسوة أو ما يلبس فوق الرأس. اسم المشروب ينحدر من لون ملابس رهبان وراهبات الكابوتشين المعروفين في القرن السابع عشر، وعندما ترك الأتراك حصار فيينا عام 1683، أخذ الكاهن ماركو دفيانو من رهبان دير كابوتشين القهوة من أكياس البن التي خلّفها الأتراك وراءهم، وصنع القهوة الثقيلة للأهالي التي خلطوها بالكريمة والعسل مما جعل لونها بنياً كلون ما يلبسه الرهبان فسماها أهالي فيينا عندئذ «كابوتشينو» تكريماً لرهبان ماركو دفيانو.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات