الوالد يوسف آل علي في ضيافة متحف «ساروق الحديد»

الآثــــار.. نقطة تحول في تاريخ التواصل الحضاري بين الشعوب

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

تعد الآثار والتراث من أهم العناصر الأساسية للحضارة الإنسانية والثقافة الوطنية وإنجاز أي حضارة تعرف من خلال الآثار الدالة عليها والتي تعكس تاريخها وتحكي قصصها وأفعالها، كما تمثل الرصيد الدائم من التجارب والخبرات والمواقف التي تعطي الإنسان والمجتمع القدرة على أن يواجه الحاضر، ويتصور المستقبل بوصفها من أهم مكونات الذاكرة البشرية الممتدة إلى أعمق جذور مكوناتها.

بكثير من السعادة تلقى الوالد يوسف آل علي دعوة يوسف المرزوقي، مدير متحف ساروق الحديد لزيارة المكان الذي تقوم بإدارته والإشراف عليه بلدية دبي والواقع في بيت الشيخ جمعة بن مكتوم آل مكتوم، في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة الشندغة التراثية ويرجع تاريخ تشييده إلى عام 1928، ويشكل في تفاصيله المعمارية أحد أهم ملامح جذور المدينة العربية الأصيلة ويطل على مدخل خور دبي من جهة الجنوب.

قائد استثنائي

وأشار الوالد يوسف المحب للتاريخ والثقافة، إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يزور خلالها المتحف والذي قرأ الكثير عنه في الصحف اليومية التي أبرزت العديد من المحتويات الهامة، قائلاً: إن الأثر يشكل نقطة تحول في تاريخ التواصل الحضاري والاشتراك في غاية الأهمية بين أفراد الأمة الواحدة، وأهم عناصر التراث الثقافي واجبة الحماية في أي عصر من العصور، إذ إن الآثار تعكس مدى التقدم الحضاري بشقيه المادي والمعنوي.

وخلال جولة الوالد يوسف داخل المتحف برفقة وليد عبدالرزاق وشوق سالم، استمع باهتمام بالغ لكافة التفاصيل المتعلقة بالآثار المكتشفة أخيراً في الإمارات، حيث أكد مدير المتحف يوسف المرزوقي أن الموقع الأثري «ساروق الحديد» الذي اكتشفه

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الــدولة رئيس مجلس الوزراء حاكـم دبي، رعــاه الله، بنفسه، والذي يؤكد أنه قائد استثنائي بالفعل يمضي بعيداً في حب وطنه عبر أساليب متعددة ويأتي على رأسها الاهتمام بالماضي والتاريخ والآثار، وهو بذلك يذكر بالنهج القويم الذي تبناه باني الدار القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

التقاء الحضارات

وخلال الجولة طرح الوالد يوسف سؤالاً مهماً حول إذا ما كان يمكن اعتبار هذا الموقع الأثري دليلاً مباشراً على وجود صناعة حقيقية قائمة على خام الحديد في دولة الإمارات في تلك الحقبة، وتتدخل المرشدة شوق سالم قائلة: بكل تأكيد الوالد يوسف، فالمتحف مستوحى من تحفة أثرية عُثر عليها في الموقع التاريخي المتميز في قلب صحراء دبي، هدية قيّمة من تاريخ قديم، تربط ماضي دبي العريق بمستقبلها الزاهر وتعزز مكانة دبي التاريخية التي كانت ولا تزال نقطة التقاء لحضارات العالم منذ آلاف السنين حتى اليوم باعتباره أحد المراكز الرئيسة لصهر النحاس وتصنيع الأدوات والأواني المتنوعة في المنطقة منذ بداية العصر الحديدي.

كثبان الحديد

واستمع الوالد يوسف إلى شرح المرشد وليد عبدالرزاق حول قصة اكتشاف هذا الموقع التاريخي من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أثناء تحليقه على متن طائرة مروحية فوق المنطقة وشاهد كثباناً رملية بألوان مختلفة عن محيطها الصحراوي ما تبادر إلى ذهن سموه على الفور أن هناك شيئاً تخفيه هذه الكثبان الداكنة اللون وقرر سموه أن يعود إلى المنطقة وكان ذلك في عام 2002 مصطحباً نخبة من علماء الآثار العالميين والمحليين الذين أكدوا لسموه أنها منطقة أثرية تاريخية وكانت تعيش فيها قبائل عربية قبل 5000 عام.

وأشار مدير المتحف يوسف المرزوقي إلى أن تصميم شعار إكسبو 2020 مستوحى من مشغولات مصنع أثري للذهب اكتشفه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عام 2002 في منطقة المرموم، وهو عبارة عن تجميع لأنماط من نقوش ومشغولات ذهبية أبدعتها حضارة إماراتية قبل 4000 سنة، ونسجت خيوط تواصلها مع حضارة دلمون والفراعنة والرافدين إلى حضارة ما وراء النهرين والسند والهند.

الطريق التجاري

ويقول الوالد يوسف وفقاً لمعلوماتي المتعلقة بالتاريخ الأثري في دولة الإمارات فأعتقد أن أقدم الحقبات التاريخية المدونة في سجلات المجلس الوطني للسياحة والآثار حول إمارة دبي، تشير إلى أنه وقبل 4 آلاف سنة على ما أعتقد وفقاً للاكتشافات الأثرية التي قرأت عنها قبل أكثر من 5 سنوات في إحدى الصحف المحلية، كانت سواحل المدينة عبارة عن قرية صيد صغيرة. وكما يعتقد فإن ميناء خور دبي كان مزدحماً بفضل الموقع الجغرافي لدبي على الطريق التجاري القديم بين «ميسوبوتاميا» ووادي إندوس. ما جعلها منذ تلك الفترة مركزاً تجارياً نشطاً ومتطوراً.

هوية حضارية

ويضيف الوالد يوسف: وبرزت أهمية خور دبي كأفضل الموانئ الطبيعية في جنوبي الخليج. وقد شكل الخور جزءاً مهماً من الحياة اليومية لسكان دبي القديمة آنذاك. وقبل سنوات اكتشف علماء الآثار مئات المقتنيات مثل الأواني الفخارية والأسلحة والعملات المعدنية التي يرجع تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وتعرض هذه المقتنيات في متحف دبي، الذي يعد إلى جانب القلاع والمساجد والقصور والآثار التاريخية الأخرى، مقصداً سياحياً مهماً لمنظمي الرحلات السياحية.

وفي ختام جولته أكد الوالد يوسف أن هذا المكان له أهمية معنوية في نفسه وفي نفس كل مواطن معتز بهويته فهو لبنة أساسية في إعادة بناء الماضي لفهمهِ بصورةٍ واضحة، إلى جانب استيعاب كافة التغيرات الثقافية وتطور المجتمعات، ومن ثم القدرة على التعبير عنها كامتداد للهوية الحضارية لنا كمواطنين.

الأثر الرقمي

دشنت دولة الإمارات العربية المتحدة معرض الآثار الرقمي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، كمبادرة رائدة من نوعها من مؤسسة دبي للمستقبل والبعثة الدائمة لإيطاليا ‏لدى الأمم المتحدة ومعهد الآثار الرقمي البريطاني في جامعة أكسفورد، وهذا المشروع التوثيقي الأثري الرقمي الذي تتبناه الإمارات يهدف إلى إحياء التراث العربي بوجه عام ويعكس رسالة دولة الإمارات التي تؤمن بأن حماية مكتسبات الماضي من شأنها أن تلهم الأجيال الجديدة في منطقتنا لمراكمة المنجزات الإنسانية، وبناء مستقبل يقوم على أسس ثابتة تسعى إلى توثيق تفاصيل وبيانات المواقع الأثرية في المنطقة، وخاصة تلك المهددة بالدمار أو الزوال، باستخدام تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد، بحيث يتم إحياؤها وإعادة بنائها بالكامل بواسطة تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وذلك ضمن هذا المشروع العالمي الذي يطوع التكنولوجيا المتقدمة واستخدامها للحفاظ على الآثار التاريخية المهددة أو المعرضة لخطر الاندثار أو الزوال، بوصفها تؤرخ للمنجز البشري في أكثر صوره إبداعاً عبر حقب التاريخ المختلفة، كي يظل هذا المنجز قائماً مشكلاً مصدر إلهام وإبداع متجدد لأجيال المستقبل.

درب المعادن

يقع في منطقة أثرية تاريخية، كانت تعيش فيها قبائل عربية قبل آلاف الأعوام وتبين ما يحتويه الموقع من بقايا حيوانات مستأنسة كالإبل والغزلان، وكذلك الأفاعي إلى جانب قطع برونزية وذهبية وحديدية وأوانٍ فخارية كان قاطنو المنطقة يستخدمونها في العصرين الحجري والبرونزي يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف عام خلت وهذا ما يعكس أهمية إمارة دبي ودورها التاريخي والريادي منذ تلك الفترة في الربط بين الحضارات القديمة حتى يومنا الحاضر، يستخدم المتحف اليوم أحدث الأساليب التقنية في استكشاف موقع ساروق الحديد – درب المعادن وهو أحد المواقع الأثرية الصحراوية التي كانت مركزاً للصناعات المعدنية منذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة.

إنّ الأمة التي لا تعرف ماضيها وتهمل تدوينه لن تتمكّن من قيادة حاضرها ولا صياغة مستقبلها. هذا ما أكّده القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه، حين قال: «من لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يعيش حاضره أو مستقبله»،

ونـحن في دولة الإمارات العربية المتحدة «لسنا أمّةً طارئةً على التاريخ» كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، فتاريخ الوطن ممتد لما يقرب من سبعة آلاف سنة؛ وفق ما أثبتته النقوش والرسوم واللُّقى الأثرية للبعثات العالمية منذ مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم حتى تاريخه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات