الفرنسي ريتشارد روشاي: طموحاتي المهنية أزهرت بفضل زايد

نسجت المبادرات النوعية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ملامح المجتمع الإماراتي المعاصر إيماناً منه بأن معطياتها المؤثرة لها بالغ الأثر في تكوين الشخصية الإماراتية في كافة جوانبها الاجتماعية والفنية والأدبية التي هي نتاج لخبرات ومعرفة علمية تجمع كافة جوانب الحياة وعليها أن تقدم الرسالة التي تسهم في تنمية المخزون الإبداعي متعدد الجنسيات والمنفتح بانسجام على مختلف أشكال الإنتاج المجتمعي والذي يضيف إلى الحراك الثقافي المحلي أبعاداً إنسانية متناغمة للسلام والمحبة.

 

تحاكي صحراء الإمارات في دفئها مشاعر المعلم الفرنسي ريتشارد روشاي، المحاضر بمعهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية، التي تعتقت بمحبة أهل مدينة العين، فرسان البداوة وعنوان الأصالة والتقاليد، التي تمثلت في شخص المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي بفضله واجه تحدياته لتحقيق أهدافه، وكان له أكبر الأثر في شحن مسيرته كمعلم بطاقات هائلة لتجاوز كل التحديات لتخريج أجيال واعدة من المواطنين لتحتفي بطموحاته المهنية التي أزهرت قبل أكثر من 40 عاماً من قلب ولاية القصرين إحدى الولايات التونسية والتي شهدت تأثيره بالمحيط العربي أثناء إقامة عائلته هناك، فقادته تأملاته في الحياة والفنون وعشقه اللامتناهي للعلم إلى موطنه ومن ثم ساحل العاج وأخيراً دولة الإمارات التي قضى بين أحضانها أكثر من 25 عاماً.

ذكرى زايد

حول عام زايد يقول ريتشارد: ذكرى زايد لا تزال محفورة في قلبي ولا يمكن أن أنسى ذلك المشهد المهيب للمغفور له الشيخ زايد، وهو محاط برجاله الفرسان ويتقدمهم في مواكب يمتطي جواده في الطريق إلى زيارة والدته بمستشفى الواحة وكانت في ذلك الوقت عبارة عن مجموعة من الخيام، رأيته من بعيد ورفعت يدي بالسلام، فنظر إليّ بكثير من العطف والحنان وابتسم برضا وسلم علي بالمثل، وفي موقف آخر بعد عدة سنوات كنت على موعد آخر في لقائه صدفة أيضاً وكأني على موعد معه دون أن أعلم ذلك ويتكرر مشهد السلام والتحايا التي مازالت من أعز ذكرياتي إلى اليوم، فكنت وسط الحشود يجذبني إعجابي، وعلى جانبي الطريق يقف الجميع صغاراً وكباراً، شيوخاً ونساء في ترقب مرور موكبه الذي تشرئب له الأعناق، بين هتاف ودعاء لرجل الأمة وقائدها الذي أعطى الكثير لشعبه ووطنه وبفضله تعلمت أن ليس هناك مستحيل، فبالعزم والإصرار يمكننا تحقيق كل الأهداف مهما بلغت صعوبتها.

وفي السياق يقول ريتشارد طالما كانت الحراك الثقافي التفاعلي هو مؤشر السعادة والارتقاء في المجتمع الإماراتي على مستوى الأهداف والطموحات، سعياً وراء التجارب المثالية التي تثري حياة المواطنين والمقيمين الذين يتطلعون لاستشراف المستقبل، تجمعهم المحبة والامتنان، والرؤى المحفزة على الإبداع في إطار المسؤولية المجتمعية التي هي روح المدينة النابضة بالخير للجميع، ولم يعد خافياً على أحد أننا نعيش في عصر تسارعت خطاه، وأننا لن نستطيع أن نواكب تحديات هذا العصر إلا بأدواته المعرفية الجديدة، ولا أن نلبي احتياجاته إلا بوسائله التقنية الحديثة، ومن هذا المنطلق أقوم بدوري في تقديم أهم البرامج والمهارات الحياتية التي تدمج مهارات الأعمال والريادة الضرورية في قطاع المصارف.

سعادة بالغة

ويؤكد ريتشارد: طالما شعرت بسعادة بالغة وأنا أقوم بدوري متنقلاً بين المدن الإماراتية في تعليم وتدريس اللغة الإنجليزية ومساق العلوم الحياتية ومهارات التواصل للطلاب بداية من مدينة العين وانتقلت إلى العاصمة أبوظبي ومن ثم دبي والشارقة، في السابق كانت الحياة بسيطة ولا تحمل الكثير من التعقيدات بل على العكس كانت محملة بشغف وطموح أبناء هذا الوطن للمعرفة والعلم كسلاح ووسيلة لبلوغ كل الأهداف والمساهمة في بناء هذا الوطن والسعي لدعم مشاريعه التنموية كافة.

ويقول ريتشارد: خلال سنوات عملي كمدرس ومحاضر رأيت شغف المعرفة في عيون طلابي وأنصتّ لدقات قلوبهم التي تتحدى المستحيل، فالكل يأمل المشاركة والتفاعل مع الدور المتفرد لدولة الإمارات في ترسيخ مفاهيم المواطنة والانتماء في أوساط الشباب ومنحهم فرص التفاعل الإيجابي مع وتيرة التغيرات المتسارعة التي طالت بنية المجتمع ومؤسساته المختلفة في العقود الثلاثة الماضية، ما جعل منه مجتمعاً منفتحاً ومتفاعلاً مع معطيات دوائر تجاوزت محيطه الجغرافي والثقافي، وذلك بالسعي الدائم للوصول إلى أفضل ما هو ممكن من متطلبات وخدمات أساسية وترفيهية وبدنية، وإمكانات تعليمية وتدريبية ومهنية دون تمييز بين الذكور والإناث، في الوقت التي تتخوف فيه بعض المجتمعات.

طاقات واعدة

وحول عمله بمعهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية منذ أكثر من 20 عاماً يؤكد ريتشارد أنه على المستوى الشخصي معجب بكل إنجازات المعهد التي شهدها خلال سنوات عمله كمحاضر، والذي يرتكز على المساهمة في الارتقاء بمستوى أداء العاملين في القطاع المصرفي وخاصة العاملين في الإدارة العليا والوسطى، والعمل على دعم وتعزيز اتجاهات تنمية الموارد البشرية، وتعزيز قدرات المواطنين العاملين في القطاع المصرفي ورفع نسبتهم في المصارف العاملة بالدولة، لافتاً إلى أهمية تلك البرامج التدريبية في تلبية الاحتياجات الفعلية والواقعية للقطاع المصرفي وكذلك احتياجات المصارف والمستقبلية، وصولاً إلى الشمولية من حيث المواد والبرامج والمستويات، وأيضاً تغطية المساحة الجغرافية في الدولة.

مستقبل مهني

ويضيف ريتشارد: لقد بات المعهد وبفضل إداراته التعليمية المتمثلة في هيئة التدريس وتحت إشراف المدير العام جمال الجسمي، الخيار المفضل لدى الراغبين في الحصول على شهادات متخصصة في المجالات المصرفية والمالية كخطوة أولى نحو مستقبل مهني، كما يعزز من فرص الحصول على وظيفة لدى إحدى المؤسسات المصرفية والمالية المتنامية والتي تسهم في تعزيز مسيرة الاقتصاد الوطني، متوقعاً أن يشهد القطاع المصرفي المزيد من النمو في حجم الأعمال والتمويل للقطاعات الاقتصادية المختلفة، بما سوف ينعكس إيجابياً على معدلات الأرباح، وأن يكون الاندماج بين البنوك والتحوّل الرقمي من المواضيع الرئيسة في القطاع المصرفي خلال العام المقبل.

الهوية الوطنية

ويرى ريتشارد أن التمسك الهوية الوطنية وقيم المواطنة الصالحة من الدعائم الأساسية للمشاركة الفعالة في تنفيذ الشباب لبرامج وأهداف الاستراتيجية الوطنية وتحسين الأداء في كل القطاعات، مما ينعكس إيجاباً على تطور المجتمعات وتحقيق الاستدامة المتكاملة، إلى جانب الغوص في أعماق الفكر المتغير شرقاً وغرباً وتقبل الإخفاقات وتضميد السلبيات للخروج من مأزق التحديات بوضع الحلول والمخرجات والعمل على تطبيقها، إلى جانب تقبل التناقضات والاختلافات بل على العكس تقديرها أيضاً، ويرجع هذا على المنظومة التنويرية التي قامت عليها أسس وقواعد الحوكمة في دولة الإمارات التي تتبنى طرح قضايا متعددة في جميع المجالات، وإيجاد مساحات متوازنة لتخفيف التنافر المعرفي حين تصبح الأمور أكثر تعقيدًا ويخرج المرء عن حدود الذات، حيث يتكون التواصل الإنساني من مناورات خفيّة بين التناقضات، مثال على ذلك هو التناقض بين ما يُقال وبين ما يُعبر في الغرب عن شعوب المنطقة العربية.

تحديات المستقبل

ويضيف ريتشارد: اليوم يواجه جيل ما بعد الألفية العديد من التحديات المستقبلية بدخوله عصر التحولات الاجتماعية واتساع رقعة المعلومات والأيديولوجيات العالمية، التي باتت تدون الآن تاريخاً متجدداً بلغة تفاعلية ذات إيقاع عصري من جهة، والمشاركة ضمن منظومة البرامج الحكومية ذات الصلة بقضاياه لتحقيق التوازن المؤثر على حراكه الاجتماعي من جهة أخرى، دون أن تفقد الثقافة الوطنية بريقها ذي الأبعاد الإنسانية المستسقاة من حضارة الأمة وموروثها وتقاليدها والتي تعد من أهم المؤشرات العالمية لتحقيق السعادة وترسيخ ثقافة الانتماء والمواطنة الصالحة، واستشراف المستقبل الذي يفي بمتطلباته الواعدة في إطار كل المتغيرات.

ملامح رمضانية

وحول ذكريات رمضان التي قضاها في الإمارات يعتقد ريتشارد أن الشهر الفضيل في ربوع الدولة يجمع الكل وسط أجواء روحانية مميزة، بطقوس وعادات جميلة التي شهدها خلال علاقاته الوطيدة بالمواطنين، وخاصة في مدينة العين، والتي هي مثار إعجاب وتقدير، وعلقت في ذاكرته كمشاهد نوعية لا يمكن إغفالها مثل إقبال المسلمين على قراءة القرآن الكريم، وحضور مجالس العلم في المساجد، وزيادة أعمال الخير والتراحم.

آداب الشهر الفضيل

نحرص على احترام آداب الشهر الفضيل، وفي كثير من الأحيان قد نصوم مع المسلمين، فرمضان ومظاهره الاحتفالية لا تختلف كثيراً عن العديد من بلدان العالم الإسلامي، ولكنها هنا تمثل مهرجاناً ضخماً بمشاركة كل الجاليات المسلمة من جميع أنحاء العالم، والتي أيضاً تمتاز بالحميمية والألفة مثل تبادل الأطباق بين الجيران بصرف النظر عن ديانتهم، وإقامة الولائم للضيوف.

تعليقات

تعليقات