نسجت المبادرات النوعية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ملامح المجتمع الإماراتي المعاصر إيماناً منه بأن معطياتها المؤثرة لها بالغ الأثر في تكوين الشخصية الإماراتية في كافة جوانبها الاجتماعية والفنية والأدبية التي هي نتاج لخبرات ومعرفة علمية تجمع كافة جوانب الحياة وعليها أن تقدم الرسالة التي تسهم في تنمية المخزون الإبداعي متعدد الجنسيات والمنفتح بانسجام على مختلف أشكال الإنتاج المجتمعي والذي يضيف إلى الحراك الثقافي المحلي أبعاداً إنسانية متناغمة للسلام والمحبة.

 من أرخبيل مالطا المدينة التي بناها النبلاء من أجل النبلاء، كما قال عنها الأديب الأسكتلندي السير والتر سكوت، جاءت البريطانية الجنسية إيزابيل تاب، المديرة والمؤسسة لشركة ALL DETAILS MIDDLE EAST للعلاقات العامة، لتستقر في دبي منذ عام 2000 لتأسيس قسم العلاقات العامة في مجموعة جميرا؛ نظراً لخبرتها العالمية في مجال السفر والفنادق، حيث تنقلت بين العديد من العواصم السياحية بدءاً من وطنها الأم مالطا مروراً بالمملكة المتحدة وسويسرا وغيرهما الكثير.

تقول إيزابيل: «حينما سنحت لي الفرصة في الانتقال إلى دبي لم أتردد على الإطلاق؛ فهي تجربة عظيمة تفتح آفاق الإبداع، وخلال الأعوام الماضية أصبحتُ جزءاً من مجتمع الإمارات المترابط والمتكاتف ومارست كافة تقاليده وعاداته بكثير من الاعتدال والفخر، فالجميع هنا يستشعر أهميته سواءً كان مواطناً إماراتياً أو مقيماً، فنحن نقوم بأدوارنا بإخلاص وولاء تام مدفوعين بالمحبة والانتماء الذي هو وليد المعاملة الطبية والأخلاق الحميدة التي تسود المجتمع الإماراتي، حيث ترعرعنا وكبرنا وسط عائلة كبيرة من الأصدقاء والأخوة من كافة البلدان والجنسيات».

تقول إيزابيل: «لم أخطط لحياتي المهنية في مجال العلاقات العامة وكنت أود دراسة القانون، لكن مالطا موطني التي انضمت للاتحاد الأوروبي واستحقت عن جدارة لقب أحد المتاحف الكبرى المفتوحة على الهواء الطلق، صاحبة التأثير الأكبر على تغيير مسار حياتي المهنية والعملية في منطقة الشرق الأوسط والخليج، حيث وضعت على جنباتها فسيفساء جغرافية تعاقبت عليها أحقاب تاريخية عديدة ضاربة في عمق الحضارات، وامتزجت فيها العادات والتقاليد، وانصهرت عندها الثقافات واللغات، فوجدت أن للحضارة العربية الإسلامية نصيباً من التأثير، ليتجلى ذلك في لغة الخطاب والعادات».

عربية مالطا

وحول تأثر مالطا بالثقافة العربية تقول إيزابيل الكلمات العربيّة تشكل أكثر من ثلثي اللغة المالطية، فقد أصرّت على البقاء رغم مرور أكثر من 900 عام، وكثير من العلماء المالطيين من يؤكد أن المالطية هي في الأصل عربية ولكن ليس بشكلٍ مباشر، إنما من العربية الصقلية التي لم يعد لها وجود اليوم، فكلمة الشارع في المالطية «طريق»، كما أن المالطيين يعرفون كلمة «زقاق» بل وحتى كلمة «زنقة» الشائعة في بلدان المغرب العربي، وفي العاصمة فاليتا، طريق في مدخل البلدة يسمى «طريق نفص النهار»، أي نصف النهار.

وترى إيزابيل أن الأجواء المنفتحة ثقافياً في دولة الإمارات المنبثقة من مدرسة المبادئ الإنسانية والاجتماعية والتنموية الراسخة التي أرسى قواعدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حافظت على مبدأ عدم الانحياز لأي تعصبات أو صراعات، ومد يد العون والمساعدة لدول العالم أجمع، وترسيخ ما يتحلى به شعب الإمارات من قيم الإسلام الحنيف والعادات العربية الأصيلة. وهي أخلاق حميدة تحرص على تعزيزها المجتمع القيادة الرشيدة، ويتبناها أبناء المجتمع مواطنون ومقيمون، ويعتبرونها ثقافة ورسالة للعالم.

منظومة التسامح

وتشير إيزابيل إلى أن الوعي المجتمعي والإنساني القائم على منظومة التسامح ساهم في تطوير مفهوم العلاقات العامة والإعلام لتواكب العصر الحاضر، وباتت فناً رفيعاً للاتصال البشري وإحدى أهم وسائل الاتصال الإنساني، وهناك من يراها أداة مهمة في التعبير عن الكثير من المفاهيم الهامة في الوقت الحاضر، إلى جانب كونها مؤثرة لخلق علاقات متميزة بين المؤسسات وجمهورها، وإذا أمعنا النظر في طبيعة عمل تلك المؤسسات نجد أنها على الغالب تقدم خدمات لإرضاء شريحة كبيرة من الجمهور في المجتمع المحلى خاصة والعالمي بوجه عام، ولا تقتصر العلاقات العامة الحديثة على كونها نشاطاً بين منظمة أو مؤسسة من جهة وجمهورها من جهة أخرى، بل هي فلسفة اجتماعية تهدف إلى معالجة مشكلات الفرد التي أخذت تزداد وتتشابك في مجتمع ينمو نمواً هائلاً وتتداخل مصالح وحاجات أعضائه إلى حد التعقيد، فجاءت العلاقات العامة لتساعد في حل هذه المشكلات.

السعادة قيمة

وتقول إيزابيل: إن توسيع نطاق أعمالنا وانتشارنا عالمياً بدأ من الإمارات، وحقق مكاسب نوعية بالنسبة لفريق عملي ومعظمه من النساء على الصعيد الاجتماعي والإنساني في مجتمع منفتح يقدر جهود المرأة وطموحاتها، ويسعى إلى تمكينها بشتى الوسائل والسبل؛ كونها تجسد رؤية حضارية وسلوكاً واعياً يدعم تطوير الأداء الحكومي ويجعله في خدمة الإنسان باعتباره محوراً أساسياً لكل تنمية، ذلك أن الهدف المفترض لتدبير الشؤون العامة هو تحقيق السعادة للمواطن والمقيم في آخر المطاف، حيث إن السعادة هي قيمة إنسانية راقية يفترض أن تكون محط اهتمام صانعي القرار، يعكسها الأداء اليومي لمختلف الفاعلين في القطاعين العام والخاص، وانعكاس ذلك بشكل إيجابي على أوضاع المواطن المختلفة، كما أنها امتداد للحق في الحياة، وتجسيد عملي لبلورة جيل جديد من السياسات الداعمة لحقوق الإنسان في مختلف تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ثم فإحداث وزارة بهذا الخصوص لا يشكل ترفاً بقدر ما هو تعبير عن تكريم الإنسان والإعلاء من شأنه وصون كرامته.

رمضان العائلة

وفيما يتعلق بذكريات الشهر الفضيل خلال 18 عاماً قضتها في دبي، تقول إيزابيل إنه وقت العائلة بامتياز، فمأدبة الإفطار تقليد عائلي موروث ومُحبب، يعزز روح المحبة وصلة الأرحام، ويعد الشهر الفضيل بكل طقوسه الروحانية الرائعة فرصة ذهبية لعودة التآلف والمحبة بين أفراد الأسرة، نسترجع الكثير من ذكرياتنا الجميلة، وتعد وجبة الإفطار من أهم الملامح الأساسية التي تميز هذا الشهر الكريم بين أفراد الأسرة الواحدة، خاصة الأسر الكبيرة الممتدة، إذ تتكامل الأسرة الواحدة، ويجتمع شمل الأجيال المختلفة؛ الأجداد والآباء والأبناء على مائدة واحدة، وهو ما يفتقده الكثيرون في الأيام العادية من السنة، وتوفر أنجح وأسهل الطرق لتوطيد وتعزيز العلاقات الأسرية، وتعميق المحبة والألفة.

موائد الإفطار

وتضيف إيزابيل: «يجتمع الناس على موائد الإفطار في زمن محدد تسوده روحانيات العبادة والتقرب من الله، والجميع يستحضرون مبادئ الصوم وما يحمله من خير، وإزالة الفوارق الاجتماعية وبفكر نيّر يتجه المسلمون لطلب الغفران والهداية والرحمة، فمدرسة الصوم فيها صفاء النفس وخلوّها من أدران الماضي وما يحمله من أخطاء، لذلك نجد شهر رمضان هو الجامع والمسيطر على نفسية المسلمين، وكذلك نحن المقيمين بحكم التقارب المكاني والعشرة الطيبة، وعليه أدركنا أن المسلم يمارس حسن الخلق ويتجه إلى عبادة إيمانية صافية نقية». وتؤكد إيزابيل أن الخيم الرمضانية سواءً في الفنادق أو في أماكن أخرى بأشكالها ومضامينها المختلفة، تعتبر وجهة رمضانية مغرية يمكن التوجه إليها برفقة الأهل والأصدقاء للاستمتاع بأشهى المشروبات والأطباق الرمضانية التقليدية والعالمية خلال وجبتي الإفطار والسحور، واستشعار أجواء وروحانيات الشهر الفضيل في التواصل مع الآخرين، فضلاً عمّا تحتويه من برامج ترفيهية عائلية، لا سيما للأطفال الذين ينقلون معهم الفرح والبهجة أينما حلّوا، فيما يتنافس الطهاة لإكرام ضيوفهم بما لذّ وطاب من المشروبات والمأكولات الرمضانية التقليدية المحلية والعربية.

نهج الخير

عبرت إيزابيل تاب عن اعتزازها بنهج الخير الذي أرساه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وقالت إن الشيخ زايد مؤسس الدولة جعل من العدل والمساواة والتآلف والتسامح واحترام الآخر، من جميع الأديان والأعراق والثقافات، نهجاً ثابتاً لا يقتصر على الداخل بين مكونات المجتمع فقط، وإنما يحكم علاقات الدولة بالعالم الخارجي، وشكّل التسامح أحد المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي رسّختها قيادتنا الرشيدة منذ قيام الإمارات.