الموسيقى والشعر الأكثر قرباً لجوهر الإنسان، تحاكي أحلامه وطموحاته، تستكين لسماع أفكاره أينما كانت وكيفما كان، بنغماتها الشرقية والغربية، فلا فرق ولا خلفيات عرقية تنسب للإيقاعات، ورثت فلسفة الإبداع من موطن الجمال، عازفة الكمان البلغارية تانيا تينغاروفا، تنسب نفسها بفخر إلى الإمارات، حيث عزف الكمان كما لم يعزف من قبل ليخترق القلوب ويرتقي بالروح لفهم الآخر بعقول تنبض بالتقدير لكل ما حولنا في هذا العالم، مخبئة بين أوتار كمانها رسائل للخير والمحبة والسلام.
ذائقة الجمال
وفى السياق تقول: تانيا لم تغب القضايا الإنسانية الكبيرة عن اهتمام الموسيقيين والمتخصصين، فطالما تنبهت الفلسفة القديمة إلى أهمية الفنون الموسيقية في تعزيز وارتقاء المجتمع عبر تعزيز ونشر روح المحبة والسلام بما عرف وقتها بالمنظومة التربوية والأخلاقية كما نرى في أبحاث الفلسفة الإغريقية والفارسية والعربية الإسلامية وغيرها، إلا أن البعد الحسي كان حاضرا في كل الأزمنة ولم تكن الموسيقى هذا الفن والمدهش بسحره وتأثيره على الإنسان يوماً ما أداة أو وسيلة للهو وهدر الوقت قدر ما كانت عنوانا مضيئا لسمو الروح وإغناء الذائقة وعالم الجمال، وكانت على الدوام مكتوبة بمداد الروح الإنسانية العالية التي تأبى الخضوع لكل ما هو مادي.
تجارب إنسانية
وتضيف تانيا: لايزال هناك عشاق مخلصون لمسارات الموسيقي بمقولاته الذوقية والجمالية المرتبطة بالتجارب الإنسانية المتراكمة عبر الزمن، والتي هي محطات بالغة الثراء منحتنا القدرة على أن نكتشف كل ما هو حقيقي وأعطتنا القدرة بفعل أبعاد وتأثيرات النغم الرهيف أن نحارب كل ما يشوه وجه هذه الحياة الجميلة بالرغم من كل المآسي والحروب، وربما يكمن السر في نصوص أوتار تعزف أوجاعنا المكتومة وتغوص في أعماق نفوسنا التي اختارت العزلة كقرار يبعدها عن المشاركة وتحمل المسؤوليات اتجاه الآخرين واتجاه من نحب حولنا، ومع كل ذلك لابد من الإقرار هنا أن ثمة مبدعين جددا يحملون الرسالة بأمانة ووفاء نادرين ويدافعون ما استطاعوا إليه سبيلا عن مضامينها الروحية والوجدانية حتى وإن اختلفت الأساليب والأدوات وتغيرت الدوافع والرؤى، فكل عمل إبداعي لابد له أولاً وقبل كل شيء أن يعبر عن زمنه وأن يكون عينا جديدة تقرأ الواقع المعيش وتجعل الإنسان يلتمس الروح الهانئة ودروب الحياة الحقة التي وحدت عالميتها كلغة أبدية خالدة.

دبي موطني
وتؤكد تانيا: جولاتي الموسيقية في بداياتي حرمتني الاستقرار ولكنها في المقابل رفعت من رصيد صداقاتي ومعارفي في كل بلدان العالم التي زرتها وشاركت في فنونها واستعرضت ما لدى أيضاً من مهارات وأسلوب مرتبط بإحساسي أولاً وأخيراً، عشت عاماً واحداً في سلطنة عمان في بداية تعرفي على منطقة الشرق الأوسط والخليج، قبل الانتقال إلى أبوظبي لمدة 4 أشهر العام الماضي وغادرت متجهة إلى باريس وبعض العواصم الأوربية لمدة 6 أشهر، وأقيم حاليا منذ 5 أشهر في دبي التي أعشقها كثيراً، وخاصة وجهاتها الترفيهية وفى مقدمتها منطقة «سيتي ووك» التي أشعر فيها أني دخلت كبسولة المستقبل بطرازها المعماري المعاصر، وكأنك تسير في قلب سفينة فضاء، إن السمة الأبرز التي تطبع دبي هي أجواء التعايش القائمة بين أشخاص من جنسيات وأعراق وديانات مختلفة في مشهدية ساحرة ومشوقة تتميز بفرادة الإنسان واختلافه عن الآخر. والآن بما أنني عدت منذ عام تقريباً، فإنني أخطط للاستقرار والتقدم بمسيرتي كعازفة كمان.
حياة برية
وتشير تانيا: أن الوجهات الترفيهية والتراثية تثير اهتمامها، وخاصة التي ترتبط بذكريات تاريخية، ومنها جزيرة صير بني ياس التي تعد واحدة من المواقع الثمانية التي تشكل جزر الصحراء في منطقة الظفرة، بواجهتها الطبيعية البرية وأنشطة المغامرة الشيّقة،، وإسطبلات ومواقع تاريخية، وكما علمت من المرشدين هناك أن رؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هي التي جعلت من صير بني ياس وجهة يقصدها الزوار من مختلف أرجاء العالم بعدما تحولت من جزيرة صحراوية قاحلة إلى جنه مثمرة، ويجوب في أرجاء الجزيرة اليوم أكثر من 13 ألفاً من الحيوانات والطيور التي تعكس جهود فريق المحافظة على البيئة. ويمكن للزوار مشاهدة الحياة البرية المتنوعة في الجزيرة عن طريق المشاركة في مختلف الأنشطة التي تتيح لهم التجول في متنزه الحياة البرية العربية الذي تبلغ مساحته 4100 هكتار مثل رحلات اكتشاف الطبيعة والحياة البرية. كما يمكنهم الاستمتاع بمجموعة واسعة من الأنشطة التي تشمل التجديف والدراجات الشراعية وركوب الخيل والرماية.
مائدة الإفطار
وحول تجربتها الأولى مع شهر رمضان المبارك تقول تانيا: كانت في أبوظبي وكنت قد أنهيت للتو عقداً مهنياً، وتوجهت لجلسة تصوير تزامنت مع اليوم الأول للشهر الفضيل. والمضحك في الأمر أن سائق التاكسي لم يعرف العنوان فأنزلني في مكان ما في الصحراء، وكان الجو حاراً جداً وأنا شبه تائهة في الصحراء، وتذكرت أني أحمل قنينة ماء لكن حين أخرجتها أدركت أنه شهر صوم ولا يمكنني أن أرتشف ولو جرعة ماء واحدة، ومع مرور الوقت كونت صداقات مع كثير من المواطنين والمقيمين الذين منحوني دفء العائلة والسلام واكتشفت الكثير من ملامح الثقافة المحلية ذات الصلة بالعادات والتقاليد ومنها طقوس الشهر الفضيل ومائدة الإفطار التي لا بد أن تضم أكبر عدد ممكن من أفراد العائلة والأصدقاء والجيران في مشهد أشبه بكرنفالات المأكولات التي تتناقلها الأيادي بين المحضرة في المنزل أو القادمة مع الضيوف والجيران قبل موعد الإفطار.
رمضان جانا
وفيما يتعلق بالموسيقى ذات الصلة بالشهر الفضيل، تؤكد أنها وبفضل صحيفة «البيان» فقد تعرفت على مقطوعة «رمضان جانا» ووقعت في غرامها على الفور، واستمعت إلى التسجيلات القديمة منها وافتتنت بالبعد الروحي للأغنية وجمالية موسيقاها. وكنت سعيدة جداً بتعلم عزفها، وحسبما قرات عنها في بعض المواقع المترجمة باللغة الإنجليزية أنها كتبت قبل أكثر من نصف قرن، وشدا بها المطرب المصري محمد عبد المطلب. ومنذ ذلك الحين وإلى الآن صارت هي عنوان مجيء شهر رمضان، حتى أن عبد المطلب كان يصفها بأنها أهم من بيان المفتي لإعلان قدوم الشهر الكريم.

جيل العطاء
لطالما كنت أؤمن أن العطاء الأكبر الذي يسعني تقديمه هو موسيقاي التي هي روحي وقلبي وحياتي كلها، والتي كرست نفسي لأجلها. ويمكنني أن أتشارك المعرفة في هذا المجال عبر تعليم الأجيال الناشئة عزف الكمان، وحضهم على عشق الموسيقى. إن تعليم الموسيقى هنا في دبي يمدّني بمتعة نقل حب الموسيقى للآخرين.

أوتار السلام
ما يسعني القيام به مع الكمان هو نشر الموسيقى والسلام عبر أوتار هذه الآلة الوترية الساحرة التي تجلب السعادة والمحبة للآخرين

2.5
زُرع أكثر من 2.5 مليون شجرة ونبتة منها أشجار الزيتون إلى جانب شجرة العود بجزيرة صير بني ياس في إطار برنامج تشجير الصحراء

نكهة الأصالة
يعيش الإماراتيون اليوم حياة عصرية بنكهة الأصالة الخالصة، لأنهم يجيدون التشبث بالتقاليد والعادات المتوارثة جيلاً بعد جيل
