على أرض الإمارات يلتقي جميع البشر تحت مظلة التعايش، ويتنسّمون أريج التناغم، يتعاونون لبناء الحضارة وتكريم الإنسان، في منهج اختزله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بقوله: «أكثر ما نفاخر به الناس والعالم عندما نسافر ليس ارتفاع مبانينا، ولا اتساع شوارعنا.
ولا ضخامة أسواقنا، بل نفاخرهم بتسامح دولة الإمارات.. نفاخرهم بأننا دولة يعيش فيها جميع البشر على اختلافاتهم التي خلقهم الله تعالى عليها بمحبة حقيقية وتسامح حقيقي..
يعيشون ويعملون معاً لبناء مستقبل أبنائهم، دون خوف من تعصب أو كراهية أو تمييز عنصري أو تفرقة بناء على لون أو دين أو طائفة أو عرق».. نقف في حلقات يومية مع سنابل من نور التعايش.. خيرها يعانق السماء.. وبرّها حديث الروح.
طعام فاخر بنكهة بيروفية المذاق، وأطباق تحمل نفس المهاجرين الأوروبيين واليابانيين والصينيين إلى المنطقة منذ قرون خلت لا تقدم فقط لضيوف مطعم «كويا دبي» بل أيضاً للعمال في منازلهم بمناطق السكن المخصصة لهم كل يوم في موعد الإفطار، فهم أيضا يمتلكون الحق ذاته في تجربة نوعية قد لا يتمكنون يوماً من دفع ثمنها.
هذا ما يؤكده الفرنسي سيدريك توسان، مدير العمليات لدى «كويا دبي، الذي يحرص بنفسه على إعداد وجبات شهية وساخنة تدخل السعادة والرضا لقلوب العمال والمحتاجين في نهاية يوم شاق خلال شهر رمضان المبارك.
شهر العطاء
يقول توسان: يتميز شهر رمضان بمظاهر كثيرة لا تجدها في غيره من شهور السنة، ذلك أن المسلمين يكونون فيه أكثر بذلاً، وأجزل عطاء، وأعظم تكافلاً وصلة للرحم، وإن كانت ثمة اختلافات تبدو في تعاطي المجتمعات مع الشهر الكريم، فإن السمة الغالبة هي حرص المجتمعات كافة على البر والتكافل وفعل الخير، في شهر الخير.
وتتنوع مظاهر التسابق في مضمار الخير الرمضاني، على المستويين المادي والمعنوي، غير أن هذا الأول يأخذ مساحة كبيرة، ويبدو جلياً في عديد من صور التكافل، التي تهدف لتأكيد أن رمضان هو شهر الخير والبر والعطاء؛ ففي رمضان يتقارب الجميع أكثر من أي وقت آخر.
ويضيف توسان: نحن سعداء بإطلاق هذه المبادرة الخيرية الإنسانية في شهر رمضان، فهو شهر العطاء والسخاء والرحمة والمودة وصفاء النفوس، ونحن حريصون على أن نكون أقرب إلى مجتمعنا في هذه الأجواء عبر هذه المبادرة المجتمعية الرمضانية المتممة لمبادراتنا الأخرى على مدار السنة.
وفي رمضان يجتمع الجميع على موائد الإفطار في موعد واحد لتناول الطعام معاً في تجربة ينفرد بها هذا الشهر عن بقية شهور السنة.
ونأمل أن تكون هذه المبادرة بداية العديد من المبادرات الخيرية والإنسانية التي يعكف على تنفيذها طاقم مطعم كويا دبي في كل عام والمتمثلة في تقديم أكثر من 1500 وجبة إفطار للعمال في مخيماتهم السكنية التي يحضرها طاقم متميز من أشهر الطهاة لتوزيعها على العمال الذين يعملون في مشاريع إنشائية وعمرانية مختلفة في أنحاء دبي.
قيم أصيلة
ويشير توسان إلى المؤشرات الإيجابية التي تغلف الحياة ضمن المجتمع الإماراتي، حيث لا تستثنى رسالة التسامح التي ترسلها الإمارات أحداً فهي موجهة للجميع للمواطنين والمقيمين في الدولة بهدف تأصيل قيم التسامح والتعايش واحترام التعددية والقبول بالآخر فكرياً وثقافياً ودينياً وهو ما غرس في عمق المجتمع الإماراتي من تعاليم الإسلام والدستور الإماراتي وارث زايد والأخلاق الإماراتية.
كما ان لمساهمات دولة الإمارات وجهودها الرائدة على مختلف الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، دوراً مهماً في التصدي لظواهر العنف والإرهاب والكراهية، وغرس قيم التسامح والحوار البناء، وقبول الآخر المختلف والتعايش بين جميع الشعوب والأديان بسلام ومحبة.
وتعد الإمارات شاهداً حياً ونموذجاً رائداً للتسامح، حيث تحتضن الدولة تحت رايتها أكثر من 200 جنسية بمختلف ثقافاتها وديناتها، والتي تعيش في كنف هذه الأرض الطيبة بمحبة ووئام وسلام.
هدر الطعام
ويرى توسان أن قيمة الإنسان تنبع من احترام الآخر وتقدير احتياجاته مادياً ومعنوياً، وقد تكون الكلمة الطيبة والمساندة الفعالة ثقافة مجتمعية تضعنا على الطريق الصحيح لتكوين نسيج متعاضد، يعي تماماً حجم التحديات الإنسانية التي تعصف ببعض الشعوب في الدولة النامية والتي تعد من مقومات الحياة الأساسية وهي الغذاء.
فقد فاجأت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) العالم بإحصائية أكدت فيها أن قيمة الطعام المهدر وبقايا الوجبات التي تلقى في القمامة، تكفي لإطعام قرابة مليار إنسان حول العالم.
حيث تُهدر الدول النامية والدول الصناعية نفس الكمية من الطعام تقريباً. وبينما تهدر الدول النامية نحو 630 مليون طن من الطعام سنوياً، تهدر الدول الصناعية 670 مليون طن، وإجمالاً يُلقى ثلث الطعام المنتج للاستهلاك البشري، الذي تقدر قيمته بتريليون دولار، في سلة النفايات.
تقنين الاستهلاك
وحول مبادرة بنك الإمارات للطعام التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يؤكد توسان أنها فلسفة جديدة تتفوق على السائد عالمياً، باختلاف الهدف، ورقيه مقارنة بأهداف البنوك المماثلة، لكونه أول بنك في العالم يسعى لتقليل فائض الطعام، ولا يركز كغيره على التبرع من أجل توفير الطعام للمحتاجين.
وينطلق بنك الإمارات للطعام من رؤية تسعى أيضاً إلى ترسيخ عادات وممارسات مجتمعية لتقنين الاستهلاك، وتقليل الفائض من الطعام، وتقليص كميات نفايات الطعام تدريجياً، وإعادة توزيع الأطعمة الصالحة للاستهلاك، وتدوير بقايا الأطعمة غير الصالحة للاستهلاك في صناعات مفيدة، كالأسمدة والكيماويات والأدوية وغيرها، لتصبح دبي أول مدينة في المنطقة تسجل فيها نفايات الطعام «صفراً».
فرص الاستدامة
واعتبر توسان أن اتباع سياسات غذائية مستدامة لا يوفر قوتاً للفقراء فحسب وإنما يوفر أيضاً فرص عمل جديدة، إذ تؤكد الحقائق أن قطاع الزراعة هو الأكثر توفيرا للوظائف، حيث إنه اليوم مصدر عيش لحوالي 40 في المئة من سكان العالم.
وقال إنه: قُدرت فرص العمل الناتجة عن خلق تعاونيات ومصانع ومخازن ووسائل نقل ومبردات للحفاظ على الغذاء من التلف بمئة مليون وظيفة حول العالم.
فنحن في حاجة لخلق أنظمة غذائية مستدامة لمواجهة الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، فالاستدامة البيئية تخفف من حدّة النزاعات والعنف، لقد حان الوقت لنعمل كأفراد وحكومات ومنظمات دولية وغير حكومية وقطاع أعمال وقياديين في مجال الفن والعلم والإعلام لإنقاذ بيئتنا، وبالتالي أطفال ونساء ورجال وشباب العالم، من براثن الفقر والبطالة والجوع والمرض».
فنون وثقافات

وعن اهتمامه بعرض الأعمال الفنية بداخل مطعم كويا يقول توسان: «برنامجـنا الفني يعكس التزامنا وحرصنا على تقديم خدمات مجتمعية في أي بلد نتواجد فيه سواء في دبي أو فرعينا بلندن ومـيامي.
وعلاقتنا بالفنانين الذين نتعاون معـهم، تعـكس هـــذا الالتزام في دعمهم والكشف عن إبداعاتهم ومساعدتهم في الانتشار محلياً وخارجياً. ليس هذا فقط بل يستمر معرض هؤلاء الفنانين في جولته ليتوجه إلى لندن بعد دبي ومنها إلى ميامي، ويعتمد الاختيار على التوافق بين فلسفتنا ورؤية الفنان».

