المنافسة مشروعة لتطوير المواهب

أوريلا سوكو:«حي القوز» و«السركال أفينيو» موطن فنون العالم

ت + ت - الحجم الطبيعي

عشقت الألبانية أوريلا سوكو، مديرة صالة «أرتيسيما» لعرض الأعمال الفنية، جميع أنواع الفنون وجذبتها اللوحات الراقصة والأغنيات الفلكلورية في بلدها، والتي كانت نافذتها المشرعة على روائع فنون العالم انطلاقاً من إيطاليا، لتغذي شغفها العميق بجميع أشكالها من موسيقى، شعر، أفلام وغيرها، في أي مكان وزمان؛ فهي الوحيدة التي تمتلك القدرة على التأثير ورقي مشاعرنا الإنسانية.

الشعب الأليري

تقول سوكو: ولدت في موطني ألبانيا حيث ننتمي إلى الشعب (الأليري) هندو أوروبي الذي استقر في منطقة البلقان خلال العهود القديمة. حيث نقسم إلى مجموعتين لغوياً وعرقياً؛ أولاهما المجموعة الشمالية، التي اختلط أبناؤها بعناصر من الشعب السلافي، وهم ينطقون بلهجة (الغيغ).

والمجموعة الثانية هي المجموعة الألبانية الجنوبية، التي اختلط أبناؤها بعناصر يونانية وتركية، وهم ينطقون بلهجة (التوسك) حيث تتميز ألبانيا بتنوع ثقافي وحضاري كبير تتضح آثاره في عادات وتقاليد شعب هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا.

تقاليد أصيلة

وتضيف سوكو: بلادي حافظت على عاداتها وتقاليدها المرتبطة بالمناسبات الدينية رغم الظروف السياسية التي مرت بها، وعلى سبيل المثال، أثناء الفترة الشيوعية كان المسلمون يصومون خفية في سرية تامة، معرضين حياتهم للخطر، في حال لو اكتشفت أجهزة الأمن التزامهم بتعاليم دينهم.

بل كان كل مسلم يخفي صيامه عن بقية أفراد أسرته خوفاً من بطش النظام الدكتاتوري، لذلك بقيت ألبانيا ما يقرب من نصف قرن من دون تقاليد أسرية أو اجتماعية خاصة برمضان. لكن منذ استعادت ألبانيا هويتها بعد عام 1991، بدأت تظهر مرة أخرى العادات والتقاليد الأصيلة خاصة فيما يتعلق بصلة الأرحام وتبادل الزيارات وإقامة موائد الإفطار الجماعي.

مظاهر احتفالية

وترى سوكو أن رمضان يجمع الكل وسط أجواء روحانية مميزة، بطقوس وعادات جميلة مثل إقبال المسلمين على قراءة القرآن الكريم، وحضور مجالس العلم في المساجد، وزيادة أعمال الخير والتراحم.

وفي كثير من الأحيان قد نصوم مع المسلمين، ونحرص على احترام آداب الشهر الفضيل، وحين حصلت على فرصة عمل في الإمارات وتحديداً في إمارة دبي بعد عودتي من إيطاليا، وجدت أن رمضان ومظاهره الاحتفالية لا تختلف عن موطني، ولكنها هنا تمثل مهرجاناً ضخماً بمشاركة كل الجاليات المسلمة من جميع أنحاء العالم، والتي أيضا تمتاز بالحميمة والألفة مثل تبادل الأطباق بين الجيران بصرف النظر عن ديانتهم، وإقامة الولائم للضيوف.

أفكار مبتكرة

وفيما يتعلق بمجال عملها في قطاع الفنون في الإمارات تؤكد سوكو أن المؤسسات الفنية والقائمة على إدارة الحراك الثقافي الفني والأكثر احتكاكاً بالجمهور العادي في المواسم المتعددة والأفكار المبتكرة التي تقرها الحكومة على دراية تامة بالمجتمع المحلي، الذي يتميز باهتمامه بتراثه وبيئته، ويحرص على أن تنعكس عاداته وتقاليده في تصرفاته، وحتى في مقتنياته، ولم يعد يبحث فقط عما تلمسه يداه، بل أيضاً عما تشاهده عيناه، ومن هنا اهتمت قطاعات الفنون التشكيلية بإخراج الفنان التشكيلي من دائرة المعتاد إلى دائرة الإبداع الواقعي أو التجريدي، وهذا ما يخلق المتعة للرسام ويدفعه إلى التحمس أثناء عرض مراحل رسم اللوحة أمام الجمهور على سبيل المثال في كثير من الأحيان ويسهم في إثراء الذائقة الفنية للمجتمع، كما يعمد الذي يسعى لإخراج الفنان التشكيلي من الأبراج العاجية إلى الساحة المقابلة للجمهور، لخلق روح من المناقشة والحوارات المشجعة للطرفين، فهي من جهة تفيد الفنان لإبراز مواهبه وخبراته.

ومن جهة أخرى تخلق روح المبادرة لدى المتلقي لمشاركة الفنان في لوحته، كما تولّد الرغبة في التحدي والإصرار للوصول إلى مستوى الفنان، وهذه المنافسة مشروعة في ظل وجود الورش الفنية المتعددة لتطوير المواهب وتشجيعها ثم ضمها إلى صفوف الفنانين في مراكز الفنون المتعددة في الدولة.

قيم الجمال

وترى سوكو أن الإبداع أهم رسالة فنية، وذلك لما يحمله من معانٍ تعكس القيم الجمالية التي لابد أن تمتاز بها اللوحة الواقعية، التي تمر بين أنامل الفنان عبر ريشته إلى أعين المتذوق للفنون ليتطور مستوى التأثير فيه، منتقلاً من مرحلة حب اقتناء الإبداع الواقعي إلى مرحلة إثارة الفضول المتسائل حول قيم هذا الإبداع وكيفية تحوله من مجرد فكرة إلى رسالة بصرية تسهم في إضافة جمالية ذات معنى للمكان الذي سوف تعلق فيه، وهذا يشير إلى ارتفاع أفق الذائقة الفنية لدى المتلقي، الذي يناقش الأبعاد الفنية والقيم الجمالية في اللوحة.

تجارب واعدة

وتؤكد سوكو أن تأثير الفن التشكيلي في ثقافة المجتمع الإماراتي، فهو اليوم يسأل عن الخامات المستخدمة لتحديد ملامح الفن المعروض، وهذا الاهتمام تكوّن من خلال تزايد المعارض والأنشطة المتواصلة على مدار العام، ومن خلالها أدرك الجمهور الفنون المعروضة، خاصة أثناء الاطلاع على أنواعها التجريدية والتعبيرية التي كانت غير مفهومة، وقد بدأ المجتمع بشكل تدريجي يدرك جهود الفنان ويتفهم فنه، بعد أن كان يظن أن ممارسة الفنون بمختلف أنواعها سهلة، وتكونت لديه نظرة مسبقة بغض النظر عن خوض الدروس وشرح التقنيات التي لا تكتسب إلا بالخبرة والتجارب، كما إن العامل الجذاب للمتلقي يتحدد حسب اهتمامه بالمحور المطروح، فالمتلقي الذي لا يهتم باللوحات التشكيلية سوف يكتفي بالمشاهدة، وربما لن يسأل الفنان عن اللوحة، والمطّلع على الفن التشكيلي ربما سيناقش الفنان حول لوحته ويبدي رأيه فيها، أما الممارس للفن التشكيلي، الذي يملك نظرة أوسع حول الألوان والتفاصيل والموضوع المراد إيصاله إلى المتلقي، فسيكون التدقيق هو الأسلوب المتبع لإصدار ملاحظاته وتقييمه لعمل الفنان.

هوية الفنان

وتعتقد سوكو أن الفن لا يحمل أي جنسية، بل يحمل هوية كل شخصية مبدعة ومبتكرة تستطيع أن تقنع المتلقي في كل مرة أنها هي من فكرت وأنتجت، لكننا لا نستطيع غض البصر عن الفنان المقلد لأعمال الآخرين اليوم، بل ما يتمتع به من شهرة رغم اقتباس أفكار الآخرين، لهذا يجب على كل فنان أن يفكر ويبدع، ليؤسس في ذاته الإبداع، وليسهم في رفع الذائقة الفنية ويخرج جيلاً متميزاً يحافظ على الفن، لأن هذا الجيل ثروة مهمة لإرساء الإبداع في مجتمعاتنا.

إننا إن لم نسهم اليوم في الاهتمام بالفنان المبتكر، الذي لابد له أن يعكس صورة بالغة التعبير عن المجتمع، فلن يزدهر هذا الفن ولا ذاك المجتمع، ولن نجد شيئاً ثميناً نسلمه للأجيال التي تأتي بعدنا، ونكون حينها قد أعدمنا مفهوم الفن والابتكار واكتفينا باقتباس الأفكار، وهذا لن يعود علينا إلا بالتبعية للآخرين، لذا يجب أن نهتم بالفنان، ومسؤولية الاهتمام به تقع على عاتق المجتمع كله.

موطن الإبداع

وتقول سوكو: تعد الإمارات مركزاً لفنون العالم، ويعتبر حي القوز موطناً للساحة الفنية المتنامية في دبي، حيث تم تشييد مشهد فني معاصر جذاب بين المصانع والمخازن بالحي الصناعي الذي يضم العديد من المعارض الفنية في شارع السركال، وهو يُعد واحداً من أهم محاور الفن المعاصر في الإمارات اليوم.

وبالإضافة إلى هذه المعارض، يضم الحي أيضاً منطقة القمر الصناعي، وهي مساحة للفن البديل تدعم الفنانين القاطنين في المنطقة من خلال دعوة الفنانين المحليين والإقليميين والدوليين إلى المعرض مع توفير الفرص والوقت والمساحة لهم ليستطيعوا تقديم أعمال فنية أصيلة وجديدة، بالإضافة إلى منظمة ذا فريدج وهي منظمة للفنون التعبيرية ترعى الموسيقيين والفنانين التعبيريين في المنطقة، والتي تستقبل الزوار بحكم موقعه الاستراتيجي الذي يعد وجهة سياحية عالمية، ولأنه يضم عدداً كبيراً من الفنانين المبدعين الذين يتفاعلون مع الجمهور، الذي دائماً ما يبحث عن الجديد، دون التردد في المشاركة فيه، وهذا كان أول حافز لأحياء القوز الفنية لإخراج اللؤلؤة من صدفتها، واحتواء كل الزوايا الجمالية التي تبهر المشاهد، ولهذا يتم إعداد خطة زمنية لإبراز الفنان الإماراتي أيضاً في الفعاليات الوطنية في الدولة على مدار العام، سواء في الحي أو في غيره من المواقع التي تشهد الفعاليات الكبيرة.

رسالة الفنان

تقول أوريلا سوكو: تقع على عاتق الفنان مسؤولية الثقافة المجتمعية، وتحديد الملامح الفنية الجديدة للعصر، التي قد لا يدرك المتلقي أبعاد زواياها الفنية، خاصة مع تداخلها، وضم تفاصيل فنية أخرى ترتبط بالأبعاد الذهنية، كالرسم التجريدي الذي يحتاج إلى تدريس.

موضحة أن الفن لا يحمل أي جنسية، بل يحمل هوية كل شخصية مبدعة ومبتكرة تستطيع أن تقنع المتلقي في كل مرة أنها هي من فكرت وأنتجت وأبدعت.

طباعة Email