«نشمية» من عشيرة تشونغ وأخي «ساق البامبو»

سنتشا: الإمارات ترسم أجمل لوحـــــة للتعايش والانفتاح المبهر

«إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن يبينا حياه الله».. غيض من فيض حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ترحب بتعدد الجاليات، وتعزز ثقافة التسامح.. «البيان» تستعرض شهادات 30 شخصية طاب لها العيش على أرضنا الطيبة.

تتحدث الكورية سنتشا تشونغ، العربية بطلاقة، بلكنة أردنية خالصة، وتعتز بانتمائها الروحي والثقافي للنشامى الفخورين بتاريخهم وإرثهم العريق، الذي هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة، وهذا الارتباط الوثيق بتقاليده التي نشأت عليها وسط بيئة مجتمعية محافظة، قادها لرفض فكرة البقاء في ماليزيا وخارج محيط الوطن العربي لفترة طويلة، بعد زواجها، ما دفعها إلى الاستقرار هي وعائلتها في الإمارات.

روح شرقية

وفي السياق، تقول سنتشا تشونغ، الأخت الكبرى، ومديرة أعمال للممثل وان هو تشونغ، الذي يعد من أبرز الشخصيات الكوميدية في العالم العربي، إنها وإخوتها كانوا محظوظين بتنوع الثقافات، الذي أضاف الكثير لهم، وأسهم في تكوين شخصياتهم المتوازنة والمحبة للجميع، حيث تجري في عروقهم دماء كورية جنوبية وفيتنامية، بروح شرقية وهوية عربية، أراد لها القدر أن تشهد الكثير من التحولات المثيرة للجدل عبر سنوات، بدأت فصولها منذ مولدهم في المملكة العربية السعودية، ومن ثم، انتقالهم 1980 بصحة الأب الطبيب واختصاصي العلاج الطبيعي إلى الأردن، الذي التحق بالعمل في بلاط ملك الأردن، الحسين بن طلال، رحمه الله.

قرار الملك

وتضيف سنتشا: أثناء وجودنا في الأردن، التحقنا في البداية بمدارس إنجليزية معروفة، ولكن بناء على طلب الملك الحسين، في ذلك الوقت، قام والدنا بنقلنا إلى مدارس عربية، فتلك هي رغبة ملكية، لا يمكن تجاهلها أو عدم تنفيذها، كانت الشهور الأولى في المدرسة العربية بغاية الصعوبة، فجميع من حوالى كان يتحدث العربية، ونحن في الصف الثالث الابتدائي، وما زلت أذكر أنني كنت أقوم بحفظ كل ما يلفظ عن ظهر قلب، وكأني أستمع لأغنية ما، حصدت الإعجاب والدهشة من قبل المعلمات والزميلات اللاتي تابعن جهدي الكبير في إتقان اللغة وكتابتها أيضاً، ومع الوقت، أصبحت أكثر تمسكاً بهويتي العربية، التي اكتسبتها بالمواطنة، فقد منحنا ملك الأردن، رحمه الله، استثنائياً، الجنسية سنة 1991، وبذلك دشنت عائلتي خطاً جديداً للعشائر الأردنية المعروفة.

ملامح آسيوية

وتقول سنتشا: أدين أنا وعائلتي بالكثير للملك حسين، وللشعب الأردني، الذي لم نستشعر يوماً في مجتمعه بالغربة أو الاختلاف، فلم يكن يفرقنا عنهم سوى ملامحنا الآسيوية، والتي بمرور الوقت، لم يعد يتوقف جيراننا وأصدقاؤنا عندها كثيراً، لا يمكننا أن نقول إننا اندمجنا في البيئة العربية، ففي الحقيقة، نحن عرب منذ طفولتنا، نفكر ونتحدث ونحزن بعقلية عربية، ننتصر للتقاليد، وتأخذنا النزعة الهاشمية إلى التشبث بآرائنا، فلا نقبل أن يدور حولنا أو معنا حديث غير لائق خلال أسفارنا عن العرب، الذين هم أهلنا وعشيرتنا.

ذكريات الأردن

تعتقد سنتشا أن الحديث عن ذكريات رمضان، يذكرها بطفولتها في الأردن، وموائد الإفطار التي يتجمع حولها العائلة والجيران، والتي كثيراً ما قامت هي بنفسها بإعداد الكثير من الوصفات الأردنية والفلسطينية الشهيرة، كالمنسف والمقلوبة، وكذلك المسخن، والتي ما زالت بعد انتقال جميع أفراد أسراتها إلى الإمارات، تعدها للجميع، دون أن تنسى تحضير التبولة والفتوش على الطاولة، وفي العيد، تستقبل الضيوف من كل الجنسيات في منزلها في منطقة البرشا بدبي، وتقدم لهم «كعك العيد» على الطريقة الأردنية، إلى جانب فناجين القهوة العربي، والتمر، رمز الضيافة والكرم.

أهلي العرب

وتؤكد سنتشا: بعد زواجي، غادرت الأردن إلى ماليزيا، لارتباط زوجي بالكثير من الأعمال هناك، وطوال عامين، وعلى الرغم من جذوري الآسيوية، لم أستطع الاندماج في المجتمع الماليزي، الذي يضم الكثير من الجنسيات ذات الصلة بمحيطي، حيث يراودني الحنين لمنزلنا وأصدقائنا وشوارع مدينتنا عمان، ولحسن الحظ، حصل زوجي، الهولندي الجنسية، على فرصة عمل في دبي عام 2002، وأخيراً، شعرت أني رجعت إلى موطني بين أحضان أهلي العرب، ولم نترد في اتخاذ القرار، وبالفعل، انتقلنا إلى العيش في دبي، وأنجبت بناتي الاثنتين هنا، وبعد وصولنا بفترة قصيرة، انتقل جميع أفراد أسرتي من الأردن إلى الإمارات، لخوض تجربة جديدة، ولكن على نطاق أكبر، وثقافات متداخلة من جميع أنحاء العالم، ترسم أجمل لوحة للتعايش السلمي والانفتاح المبهر، إلى جانب احترام الحريات.

موهبة أخي

وترى سنتشا أن من موقعها كمديرة أعمال أخيها، أن الإمارات فتحت الباب على مصراعيه أمام طموحاته الفنية، التي بدأها من الأردن، من خلال تقديم فقرات كوميديا الارتجال والمعروفة بـ «الستاند أب كوميدي»، ومن ثم، تقديم برنامجه السياحي «ونهو حول العالم»، ومشاركته في فيلم سينمائي مصري، وغيرها من البرنامج والفعاليات التي سلطت الضوء على موهبته كفنان عربي من أصول كورية، وفي رمضان هذا العام، ومن خلال مسلسل «ساق البامبو»، استطاع أن يثبت موهبته كممثل يمتلك كل الأدوات للصعود إلى العالمية، خاصة أنه كان يتوق لخوض تجربة الأعمال الدرامية، من خلال عمل قوي ينسجم مع شخصيته، فلم يترد في قبول العمل فوراً، بعد أن تواصلت معي شركة صباح بيكتشرز، والتي في الوقت نفسه، عمدت إلى شراء حقوق رواية «ساق البامبو» للمؤلف الكويتي سعود السنعوسي، وسعت إلى تحويلها إلى عمل درامي، ووقع الاختيار على أخي، نظراً لتشابه ملامح بطل القصة عيسى، الذي لا بد أن تكون ملامحه فلبينية أو آسيوية، وبنفس الوقت، لا بد أن يتحدث اللغة العربية.

تنوع ثقافي

وتضيف سنتشا: أنا وعائلتي سعدنا بالنجاح الساحق للمسلسل ككل، وبنجاح أخي الذي هو بنهاية الأمر، نجاح لجميع أفراد العائلة، خاصة أنها تحمل في بعض خطوطها الدرامية العريضة، تشابهاً مع قصتنا المتعددة الثقافات والمتداخلة في أفكارها وطرحها لمفهوم الهوية والعالمية والانتماء، ومن جانب آخر، تعد تجربة الاستقرار في الإمارات، هي تجربة مختلفة عن موطنها الأردن، فالتنوع الثقافي والعقائدي يفوق الخيال، حيث يلتقي الجميع تحت مظلة الفكر المستنير، والأحلام الواعدة، والطموح الكبير في الارتقاء، وخدمة المجتمع الذي يجمعهم، وإن تعددت خلفياتهم الثقافية والدينية، ومن جانب آخر، فإن الثقافة العربية اليوم، تعد أكثر حاجة من أي وقت مضى للانفتاح على مختلف ثقافات العالم، ومد جسور التواصل، وتحقيق مشروع الحوار مع الآخر، الذي لم يفلح في تحقيقه سوى العمل الإبداعي الفني، والأدبي طوال تاريخه البعيد.

الحياة المثالية

وترى سنتشا أن سهولة العيش، هي الميزة الأساسية للإمارات، فخلال 14 عاماً قضيتها هنا بسعادة بالغة، وتقدير لكل الجهود التي تقدمها الدولة لجميع المواطنين والمقيمين على أرضها، وباتت مكاناً جيداً لتأمين المستقبل الوظيفي، بسبب الحراك الاقتصادي، وتوسع أنشطة الأعمال، وتوفر كل مقومات الحياة المثالية، وتتضمن أكثر المدن حيوية في العالم، كمدينة دبي، لما توفره من وسائل ترفيهية وأنشطة رياضية، والجدير بالذكر، أن الحياة اليومية للمقيمين في دبي، تشابه حياة السياح. من الناحية الجغرافية، يسمح موقع الإمارات المميز لي بالسفر إلى دول مجلس التعاون، وإلى أماكن أخرى ممتعة في المنطقة خلال ساعات قليلة.

محور التسامح

وتعتقد سنتشا أن إنشاء وزارة التسامح، سوف تعزز من دور وزارة السعادة، وهى تمثل أحد المفاهيم الحضارية والثقافية الحديثة في المجتمعات المتقدمة، حيث تدعو إلى نبذ العنف والكراهية، ونشر التسامح والمحبة، وخلق بيئة خصبة لمستقبل أفضل للشعوب. ووزارة التسامح لم تأتِ مصادفة أو وليدة اللحظة، بل هي ثمرة فكر المبادرات الحكومية الإماراتية في الفترة الأخيرة، وعمل جاد لبناء منظومة من التشريعات والقوانين، كان على رأسها، إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية العام الماضي.

صناعة السعادة

تقول سنتشا تشونغ: تصنع الحكومات السعادة لشعوبها فهي بذلك تضمن استقرار الدولة وتفتح مجالات عديدة للفكر والإبداع والابتكار ومن ثم الارتقاء بالعمل الحكومي إلى مرحلة جديدة تواكب متغيرات العصر. وتضيف: تجربة إنشاء وزارة للسعادة وأخرى للتسامح هي أولى الخطوات التي تعمل على الاهتمام بالإنسان كمحور أساسي في جميع المشاريع المستقبلية الخاصة بالتنمية والتطوير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات