«إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن يبينا حياه الله».. غيض من فيض حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ترحب بتعدد الجاليات، وتعزز ثقافة التسامح.. «البيان» تستعرض شهادات 30 شخصية طاب لها العيش على أرضنا الطيبة.
أفتتن رئيس مجلس الأعمال الهولندي في دبي، جيوفاني أنجوليني، منذ عام 1995 بأرشيف والده المغترب في الإمارات والذي يتضمن الكثير من الصور التذكارية لمناطق سياحية وأفلام وثائقية تحكي قصة الاتحاد والنهضة الثقافية والعمرانية، مسجلاً بذلك إعجابه المتنامي بهذا الكيان العربي الخليجي المترابط والفخور بتراثه المادي والمعنوي عبر العصور.
عاشق المدينة
وفي السياق يقول أنجوليني: بعد أن أنهيت دراستي الجامعية قررت أن أتبع قلبي الشغوف بالاستقرار وبداية حياة جديدة عام 2004 في المجتمع الإماراتي الذي يحظى بتقدير واحترام كبيرين من أبويه المقيمين في دبي منذ عام 1995، فقد كانا حريصين على جلب كثير من الهدايا التذكارية والصور لمناطق في غاية الجمال والبهاء في دولة الإمارات، والحديث في استرسال عن طبيعة المواطنين والمقيمين خاصة العرب منهم وتواضعهم الجم وحبهم للعطاء والانفتاح على الثقافات المتعددة، وبعد العديد من الزيارات القصيرة والمتلاحقة، أصبحت أكثر تعلقاً بمدينة دبي مما دفعني لاتخاذ هذا القرار بشكل حاسم ولا رجعة فيه.

بوتقة الحضارات
ويضيف أنجوليني أن أكثر مكان يشدني في دولة الإمارات من خلال مطالعتي للأفلام الوثائقية والصور التي تختزل حكايات المدن والأماكن هو الاهتمام بالتراث المعنوي، الذي يعكس نجاح الإمارات في تسجيل هذه المفردات ما شهده قطاع التراث من تطور واهتمام في السنوات الأخيرة، وما بات يتميز به من منهجية عالية على مستوى الجمع والرصد والتوثيق وآليات العمل الأخرى.
فضلاً عن تحوله من مجرد جهود فردية متناثرة إلى عمل مؤسساتي يتسم بالشمولية، وتتوافر له الإمكانيات المادية والخبرات البشرية المدربة، ولا يخفى ما لهذا من فوائد على الصعد كافة.
وتنطلق الدولة في هذا الاهتمام من نظرة عميقة إلى التراث الثقافي غير المادي بوصفه وعاءً للتنوع الثقافي، وعاملاً يضمن التنمية المستدامة في ظل اعتزازها بإرثها، الذي تتناقله الأجيال، مشكلاً بذلك درعاً واقية يحتمون بها، ويحمون أبناءهم من بعدهم للحفاظ على أصالتهم وهويتهم الإسلامية والعربية والإماراتية.
ومضات من فكر
ومن جانب آخر يذكر أنجوليني أن كتاب «ومضات من فكر» لصاحب السمو الشيخ، محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، والذي تشرف باحتفاظه بنسخة موقعة من سموه، كان بمثابة خارطة طريق لتحقيق الطموح والارتقاء وتجاوز التحديات والبناء، متسلحاً بالحكمة والعزيمة والإصرار النابع من فكر سموه العميق وخلاصات، قلما نستطيع الوصول إلى حكمتها لولا وجود أشخاص مثل سموه خاضوا غمار السياسة والحياة والقيادة والبناء والتنمية، وخرجوا بكل هذا المخزون عالي القيمة من الكلمات والتي تركز على مفهوم بناء الإنسان فكرياً وعلمياً وإدارياً.
نكهة الأصالة
ويؤكد أنجوليني أن تجربته مع أول رمضان يشهده في البلاد ما زالت عالقة في ذهنه نظراً إلى تفاصيلها الخاصة بالتعرف إلى ماهية الهوية العربية والإسلامية عن كثب ومن قلب الحدث على حد تعبيره، قائلاً: يعيش الإماراتيون وهم صيام حياة عصرية بنكهة الأصالة الخالصة، لأنهم يجيدون التشبث بالتقاليد والعادات المتوارثة جيلاً بعد جيل للوقوف في وجه العولمة، والتي غزت العالم من دون استئذان، وغيّرت شكل كثير من الدول، وأثرت في سلوك وعادات كثير من شعوب العالم دون استثناء، فهم حريصون على نشر الطقوس الرمضانية بسمات أهلها والمعتقة بروح البداوة والفخر، حيث تتجسد في كل الممارسات اليومية خلال الشهر الفضيل، سواء في المجالس والأماكن العامة أو الخاصة أو المنازل.تأثيرات ثقافية
ويضيف أنجوليني: حملت من موطني الكثير من المعارف والتأثيرات عن الثقافة العربية والإسلامية، حيث كانت هولندا واحدة من مجموعة الدول الأوروبية التي اهتمت بالشرق العربي والإسلامي وموروثه العلمي، فخلال الأربعمائة سنة الماضية اطلعت على كنوز المشرق العربي والإسلامي المتمثلة بنفائس الكتب المخطوطة التي لا تقدر بثمن، وهكذا اهتم الهولنديون بالجانب الثقافي اهتماماً بالغاً، وذلك باقتناء نفائس المخطوطات العربية والإسلامية.
ودراسة العلوم العربية والإسلامية، ومما يدل على هذا الاهتمام الفهرس السنوي الذي أخرجته جامعة ليدن سنة (1982م) والذي احتوى على أكثر من خمسة آلاف كتاب عربي، كان منها أربعة آلاف مخطوط عربي وإسلامي من أندر المخطوطات، وكان هذا الفهرس أو القائمة السنوية قد تم نشرها عن مقتنيات مكتبة ليدن، فإذا كان مجموع المخطوطات العربية يزيد على الثلاثة ملايين مخطوطة في العالم، فإن هولندا تمتلك ما نسبته (1%) من المجموع العام.

مبادئ إيجابية
ويقول أنجوليني: زوجتي لبنانية تعرفت إليها في دبي وبطبيعة الحال توطدت علاقتي مع مخرجات الثقافة العربية والخليجية في الإمارات، وكونت أثناء عملي في مجال الوسائط الإعلامية المتعددة إلى جانب منصبي كرئيس مجلس الأعمال الهولندي الكثير من الصداقات والعلاقات الوطيدة مع الكثير من الشخصيات المرموقة وأصحاب القرار الذين طالما سعوا إلى التعاطي بإيجابية وتواضع كبير ويحذون حذو القيادة الحكيمة لدولة الإمارات التي تهتم بترسيخ مبادئ احترام حقوق الفرد والحد من أي انتهاكات قد يتعرض لها، والحفاظ على المساواة بين أفراد المجتمع وعدم التمييز بسبب الأصول والمعتقدات الدينية والفكرية والألوان والأجناس والأعراق.
الوجه المشرق
ويشرح أنجوليني: كان الاهتمام بتوطيد العلاقات الإماراتية الهولندية ونشاط جاليتنا في الدولة من صميم مهامي في مجلس الأعمال الهولندي من النواحي الثقافة والاقتصادية حتى يتسنى لنا القيام بدورنا كوعاء جامع لجميع أفراد الجالية إلى جانب إبراز الوجه المشرق للثقافة العربية في هولندا الذي يرادفه محو الصورة السلبية التي لصقت بهذه الثقافة في السنوات الأخيرة والأخبار السلبية التي تترد في وسائل الإعلام من خلال خلق جسر بين الثقافة العربية بكل ثرائها وبين المجتمع والثقافة الهولندية لأجل تقديم الوجه المشرق، وإيجاد نقاط التلاقي بينهما؛ فكلتاهما تؤكد مبادئ أساسية منها الالتزام بالقوانين الخاصة بواجبات المواطنة وحقوقها.
إنجازات نوعية
وأضاف أنجوليني: لقد أسهمت تلك العلاقة في تحقيق قفزات نوعية في العديد من المجالات، في مقدمتها الاقتصاد، حتى أصبحت الإمارات في فترة وجيزة منذ تأسيسها حتى الآن محط أنظار العالم تسعى كل الدول المتقدمة إلى تعزيز علاقات التعاون معها، بعد أن أسهمت العلاقة الناجحة القائمة بين القيادة والشعب والمبنية على أسس سليمة في تحقيق الأمن والاستقرار اللذين تنعم بهما الدولة، وقال إن القيادة السياسية سعت دوماً لتكريس ذلك النمط من التعامل المباشر بين القيادة والشعب، إيماناً منها بأهمية الإبقاء على التقاليد الأصيلة في التعامل، كما أننا نرى كثيراً الشيوخ والحكام يتجولون بين الناس من دون عقبة أو بروتوكول، وهذه سمة طيبة تدل على التواضع، وتعد قيمة متأصلة في القيادة الرشيدة منذ القدم حرصوا عليها حتى اليوم رغم تغير الظروف والزمان، ونلمسها في مجالسهم التي أصبحت عبارة عن منابر مشرعة لتبادل الآراء والأفكار.

الأخلاق الإماراتية
يعتبر أنجوليني أن الأخلاق الإماراتية في التعامل والتواصل وارتباطها بالعطاء، هي أساس الحياة المدنيّة، فحينما يتمتع الأفراد في المجتمع بأخلاقيات التعامل من صدق في الحديث وصدق في الوعود وأمانة ووفاء وغير ذلك ترى إيجابيات ذلك رقياً في المجتمع وتمدناً، تجعله شاعراً بالمسؤوليّة والواجب كمقيم وأنّ التّخلي عن ذلك هو عيب لا يغتفر، وهذا الشكل من العلاقات يؤدي إلى التكاتف والتعاضد بين أفراد المجتمع، حيث يتراحمون بينهم ويشعرون بحاجة إلى بعضهم البعض كالأسرة الواحدة المتماسكة المتكاتفة التي يسعى كل فرد فيها للإسهام بدوره في تدعيم مسيرة النهضة والبناء في كل المجالات، حتى تأخذ الدولة مكاناً متقدماً بين بلدان العالم.
