العمارة الإسلامية وصروحها المعاصرة تخلدها الإمارات في مدنها

بالفيديو/ديباك أرورا: ثقافة التسامح معمار الحياة الذي لا يندثر

«إن الرزق رزق الله، والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن يبينا حياه الله».. غيض من فيض حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ترحب بتعدد الجاليات، وتعزز ثقافة التسامح.. «البيان» تستعرض شهادات 30 شخصية طاب لها العيش على أرضنا الطيبة.

طبعت آثار جلفار والحصون، وميادين الشارقة، وبراجيل دبي، معالم أصالتها الراسخة في وجدان المعماري الهندي ديباك أرورا طوال 40 عاماً اقترب خلالها من معايشة أهلها، ونمت بداخله محبة لا تتجزأ لكل بقعة مشيدة بالعراقة ومنغمسة بحب الأرض، وتلوح في الأفق جماليات العمارة الإسلامية وصروحها المعاصرة التي تخلدها الإمارات في جميع مدنها وأحيائها؛ فهي ليست حالة منفصلة تعبر عن أحادية الأشياء، وإنما هي مرتبطة مع مجموعة من العلاقات، ومتشابكة معها، محورها الإنسان الإماراتي.

نهضة عمرانية

يقول ديباك أرورا: في عمر 23 جئت إلى الإمارات، وتحديداً إلى إمارة رأس الخيمة في عام 1976، وكنت منبهراً بأخلاق المواطنين، وحبهم للعطاء ومد يد العون لكل غريب حتى تستقيم أموره ويستقر، مهنياً واجتماعياً، ليقوم بدوره أيضاً في مساعدة غيره، بالقوة وبالحماس نفسيهما، وتلك كانت من أهم الدروس والعبر التي تعلمتها في حياتي خلال 3 سنوات قضيتها في رأس الخيمة، وكان لي الشرف أن أكون ضمن صفوف المهندسين الذين شيدوا الكثير من منشآتها الحديثة، حيث شهدت دولة الإمارات نهضة عمرانية متسارعة في قطاع البناء والتشييد تعد الأسرع في منطقة الشرق الأوسط والعالم من حيث النمو والازدهار، حيث تستمر الأعمال الإنشائية بشكل كبير ونوعي لتحاكي النهضة الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها الدولة التي يغلب عليها طابع المشاريع الضخمة والعملاقة على مستوى المنطقة.

تراث المدن

يضيف أرورا: في فترة نهاية السبعينيات كانت رأس الخيمة ساحرة بمواقعها الأثرية التي كنت أعشق زيارتها باستمرار ربما بدافع الفضول أو بحثاً عن قصة خالية تقف وراء إبداعها على مر العصور، وعلى سبيل المثال قلعة الكـوش، وموقع آخر في جزيرة «حليلة» وهو عبارة عن مبانٍ صنعت من سعف النخل، وقد عرفت ضمن منطقة جلفار، وهي مدينة قديمة معروفة للرحالة والجغرافيين المسلمين مثل المقدسـي في القرن العاشر والإدريسي في القرن الثاني عشر، وعثر في الموقعين على أقدم حبة قهوة في العالم خلال القرن الثامن عشر، وهذا الاكتشاف يسبق المصادر التاريخية التي تعطينا معلومات عن استخدام وتجارة القهوة بقرنين كاملين، ثم الفترة الإسلامية اللاحقة القرن الرابع عشر والتاسع عشر.

العمارة الإسلامية

ويوضح أرورا: في عام 1981، انتقلت إلى الشارقة التي لا تقل جمالاً ولا بهاء عن رأس الخيمة، ولكنها تميزت بخصوصيتها وتثمينها لفنون العمارة الإسلامية المغلفة بالتنوع الفريد، ومن أقدم معالمها التي عاصرت حداثتها «السوق المركزي» الذي يمثل درة العقد في الشارقة، فهو يحتوى على 600 متجر تزهو بالألوان، ومقسمة على مستويين مع الممرات التي تقودك من متجر إلى آخر لتكتشف كنوزه الفريدة.

تم بناء هذا السوق عام 1979 ويعتبر من أشهر الأسواق في الإمارات، ويتكون من جناحين رئيسين يتصلان بجسرين ممتدين يربطان بينهما، يطل أحد هذين الجناحين على بحيرة خالد مباشرة بينما يطل الجناح الآخر على شارع الملك فيصل، وأحتفظ بكثير من الذكريات الجميلة في منطقة سوق «البحر» ومحيطها في وسط المدينة مقابل الواجهة البحرية التي كانت تقصدها السفن الشراعية المحملة بالبضائع والمنتجات مثل التوابل والأعشاب والزيوت والعطور العربية والبخور، إضافة إلى الحناء والملابس والمنسوجات.

أجواء احتفالية

ويعتقد أرورا أن ثقافة التسامح هي معمار الحياة الذي لا يندثر في دولة الإمارات، وهي من المشاهد العادية التي تستمر بشكل طبيعي ضمن مسار المجتمع المحلي والبراهين والشواهد كثر، ولا يمكن حصرها، فقد تناقلتها الأجيال بفخر واعتزاز، وتظل روحانيات الشهر الكريم هي المشكاة المضيئة التي تسلط الضوء على كل الفضائل المميزة التي يتمتع بها المواطنون والمقيمون بشكل عام، وتعكس مدى ترابطهم واحترامهم لعقيدتهم والعمل على نشر سماحة الدين بالأخلاق الحميدة وحسن المعاملة والعشرة، بين الجيران والأقارب، وكذلك الأصدقاء الذين يمارسون طقوسهم الرمضانية المعتادة في بلدانهم والمرتبطة بالمأكولات الشعبية والضيافة، وكذلك المظاهر الاحتفالية المتمثلة في تزين المنازل بالفوانيس والأنوار التي تحمل فرحة الشهر وتبعث أجواء من السعادة في الأرجاء.

مشاريع تنموية

ويؤكد أرورا أن طموحه كان عاملاً رئيسياً في تحقيق أحلامه المهنية التي تبلورت معالمها عام 1985 في دبي وذلك بعد 6 سنوات على إنشاء المنطقة الحرة وميناء جبل علي، حيث حظيت بفرصة العمل على مشروعي الأول هناك، ومن بعدها توالت عليّ العروض والمشاريع المترافقة مع الطفرة العمرانية في إمارة دبي، وحصلت على عقود ضخمة في فترة شهدت فيها أسواق المنطقة انخفاضاً في النشاط في قطاع الإنشاءات، واليوم أشغل منصب المدير الإداري، والرئيس التنفيذي في مجموعة (دي آر أي) التي تأسست عام 1983، وهي تخضع لإدارتي الحالية منذ عام 1999، التي تخصصت في البداية في إنشاء المجمعات السكنية ولكنها اليوم تعمل على إنشاء المكاتب والمخازن والمباني اللوجستية والصناعية، وتشمل مجموعة شركات أرورا شركة سيتي دايموند للمقاولات، وميبتك، وجيانت ستار تريدينغ، وبرودكت ديزاين، ومجموعة لوجيستيكس، إنترناشيونال، التي أسهمت في تنفيذ العديد من المشاريع لشركات متعددة الجنسيات في المنطقة الحرة بجبل علي، وأكبر منشأة لوجستية في العالم لطيران الإمارات، ومدارس لهيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، وصالة عرض للسيارات تابعة لمجموعة عبد الواحد الرستماني، ومشروع من 65 فيلا في تلال الإمارات.

شركة عائلية

ويؤكد أرورا: باتت شركتي مع مرور الوقت من أفضل الشركات العائلة في هذا المجال، بعد انضمام أبنائي للعمل مهندسين؛ تخصص أحدهما في المهندسة المدنية والآخر في الهندسة المعمارية، إيماناً منا بضرورة استكمال دورنا في عجلة التنمية، حيث لا نعتبر أنفسنا هنوداً مغتربين، فشعور الانتماء والولاء لدولة الإمارات يقودنا إلى الانخراط في المشاريع الكبرى العمرانية في مختلف المجالات وعلى سبيل المثال إنه لشرف كبير أن أكون أول مقاول يعمل في منازل العطلات الأولى ضمن مشروع العالم، ونحن نتطلع إلى شراكة طويلة ومثمرة مع مجموعة كلايندينست، في الوقت الذي نقوم فيه بتحويل رؤيتهم الخاصة بقلب أوروبا إلى واقع ملموس.

مناخ إيجابي

 

 

ومن جانب آخر، يرى أرورا النهضة العمرانية في دولة الإمارات امتدادا لما كان يدور من حراك ثقافي عبر تاريخها، حيث كانت كل تلك الجهود والمحاولات بشارات لميلاد نهضة ثقافية حديثة، ومؤسسات متخصصة، وفي كل تلك الجهود لم يكن التفاعل مقتصراً على المواطنين فقط، بل المقيمون أيضاً كان لهم الحق في المشاركة في نمو هذا المناخ الإيجابي الذي تتضمن العديد من القوميات التي تقيم على أرضها.

واستطاعت تحقيق استفادة من هذا المزيج لتكون نسيجاً واحداً لكنه لا يتعارض ولا يتقاطع، بل يحتفظ كل بخصوصيته وهويته، فالتمسك بالثقافة المحلية هي اللبنة الأولى للسلم الحضاري الذي يصل بدولة الإمارات إلى العالمية فكل عناصر الثقافة المحلية هي الجذور التي تنمو عليها أوراق وساق شجرة الحضارة ذات الملامح والخصائص الإقليمية مع مراعاة البيئة العالمية، وما يجرى فيها من تطور وحداثة، كما أن البعد المعماري الأصيل أضفى على مدن الإمارات بعداً ثقافياً متعدد الوجوه، نتيجةً لاختلاف البلدان التي وفد منها المقيمون على أرضها.

الإنسان أولاً

يقول ديباك أرورا: كونت الإمارات لنفسها منذ البداية هوية ثقافية تنسجم مع طابعها المتعدد الثقافات والأجناس والأعراق، وعندما توسعت في السنوات الأخيرة وازدهرت اقتصادياً أخرجت للعالم نموذجاً فريداً في النمو العمراني والاقتصادي جذب كل الاتجاهات والثقافات في بوتقة واحدة، وتحت مظلة واحدة، تشمل الإنسان؛ أياً كان انتماؤه ولونه وثقافته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات