إعلان عن منحة جامعية إماراتية بجريدة محلية في خريف عام 2001م، كان كفيلاً بأن يغير مجرى حياة نينا جريشكيفا، بنت مدينة إيليستا، إحدى مدن روسيا في الكيان الفيدرالي الروسي «كالميكيا»، لم تدرك وقتها، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، أن تلك القصاصة التي حملتها بين يديها بحرص وارتباك، أثناء انتظارها الحافلة المتجهة إلى مكتب التسجيل، هي جواز عبورها إلى الطرف الأخر من العالم، حيث تتحقق الآمال والطموحات.

تقول نينا جريشكيفا، المحاسبة الإدارية بشركة دراجون أويل للخدمات النفطية: ولدت ونشأت بجمهورية كالميكيا الروسية، التي وضعتها الجغرافيا عند ملتقى القارتين الأوروبية والآسيوية، في سهوب منطقة بحر قزوين، شرقي آسيا، ونحن شعب الكالميك الوحيد في أوروبا، الذي يعتنق البوذية ديناً، انفصلنا عن المغول وهاجرنا من الصين ومنغوليا إلى الجزء الأوروبي لروسيا، واستقررنا في السهول الشاسعة، فأجدادي كانوا بدواً رحلاً، يسكنون في خيم تقليدية، وتحملت المرأة عناء تركيبها وفكها، استناداً إلى التقاليد البوذية، وعندما يحل ضيفاً على «الكالميك»، يستقبل بطعام رأس الخروف المسلوق والمالح للحليب المترافق، مع إنشاد أشعار ملحمة شعبية اسمها جينجار بلغة المنغولية القديمة.

منحة دراسية

وتضيف نينا: قرأت عن المنحة الدراسية التي تقدمها جامعة الإمارات العربية المتحدة، تحظى برعاية واهتمام معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والذي كان يشغل في ذلك الوقت، منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الرئيس الأعلى للجامعة، وكان علي أن أخضع للعديد من الاختبارات، إلى جانب تجهيز الأوراق الرسمية المطلوبة، كي أنضم إلى 9 طلاب آخرين مرشحين للحصول على المنحة الدراسية في الدولة، وبعد أن استوفيت كل الشروط والمتطلبات، حصلت على الموافقة التي خولتني إلى السفر للمرة الأولى خارج كالميكيا في أكتوبر 2001.

تقارب ثقافي

وتؤكد نينا: من خلال قراءتي حول دولة الإمارات وبيئتها وتقاليدها، حاولت أن أطمئن نفسي بشعور من الألفة المنبثق عن تقارب وتشابه العديد من العادات التي نحرص عليها في بلدي، ومنها إكرام الضيف والاحتشام في الملابس واحترام خصوصية الغير، فالكثير من المواهب الخلاقة، توهجت وحققت مكانة متميزة في الحياة على أرض الإمارات، وأنا منهم، فقط لأني وجدت الاهتمام والرعاية المعنوية والعاطفية من أناس التفتوا وثمنوا، ومن ثم، قدروا تلك القدرات ودعموها نفسياً، معززين بذلك ثقتي بما أملك من قدرات إبداعية، ولم يهملوها أو يستخفوا بها. فالتقدير والتكريم في الإمارات، حاجة معنوية بالغة الأهمية، تعد المحفز الأول لتفجير الطاقات الكامنة، وحافزاً إنسانياً لتخليق المزيد من الحب والحنان والعطاء.

تكافؤ الفرص

تستحضر نينا، الحياة بداخل حرم جامعة الإمارات بمدينة العين، قائلة: حققت الجامعة من وجهة نظري، مبدأ تكافؤ الفرص لكل طالبة تستحق السكن، سواء داخل الدولة أم خارجها، وتوزيع الطالبات على المباني السكنية، بناءً على رغبتهن من جهة، ورؤية الإدارة من جهة أخرى، وبما يحقق الاندماج مع الثقافات والحضارات المختلفة، ويتلاءم مع طبيعة المجتمع الإماراتي، إضافة إلى مواكبة الفعاليات الثقافية والاحتفالات الوطنية المقامة في أرجاء الإمارات، بالتوازي مع قيام السكن بتحضير فعاليات واحتفالات ورحلات برية وبحرية، وورشات صحية وفنية وندوات ثقافية ودينية واقتصادية واجتماعية.

مجتمع الجامعة

تؤكد نينا أن الفتيات الإماراتيات، كن النسبة الأعلى على مقاعد الدارسة بطبيعة الحال، إلى جانبنا نحن الطالبات اللاتي ينتمين إلى عدة ثقافات، وأقصد بالثقافات القيم، العادات، السلوكيات والدين والمبادئ المختلفة للمجموعة الواحدة، حيث يلتقي الجميع ويشارك الأفكار والمعتقدات والتأثير أيضاً في المجتمع الجامعي نفسه، وباختلاف هذه الثقافات، قد يختلف مستوى تكيفنا عن طالبات أخريات، فالتأقلم على بيئة معينة والتعايش معها لسنين طويلة، هي بمثابة الاستقرار النفسي للفرد، والانتقال إلى بيئة مختلفة، فإن البعض قد يواجه صعوبة في هذا الاستقرار، ويصعب التعايش مرة أخرى بسهولة وتقبل الوضع الجديد، ويكون الوضع الجديد أكثر صعوبة، عندما نجد أن البيئة مغايرة تماماً لما اعتاد عليها. ومن هنا، ينتج ما يسمى بالصدمة الثقافية.

تعزيز الثقة

وتوضح نينا، لم أتأثر كثيراً بتلك المتغيرات التي تحمل تأثيرات الشعور بالقلق من اختلاف الأنظمة الدراسية أو مظاهر عدم التكيف والعزوف عن تكوين الصداقات مع الطالبات الإماراتيات، ويعود الفضل إلى جهود الجامعة التي خصصت أسبوعا تعريفياً للطالبات، لتعريفهم عن الجامعة ونظامها العام ونظام الفصول والمواد والخدمات المقدمة للطالبات من مرافق وجهات مختلفة في الجامعة، والتي ساعدتنا في هذه المسيرة الجديدة، ومنحتنا الاستقرار النفسي قبل الشروع في المواد والدراسة الفعلية، حيث كانت الصورة العامة متكاملة عن الوضع الجديد، وتحديد أهدافنا الطويلة المدى، وبالتالي، دفعني ذلك إلى مزيد من الإنجاز والمشاركة في مختلف الأنشطة والتطوع داخل الجامعة، التي أسهمت بدورها في تعزيز ثقتي بنفسي وبمن حولي.

إفطار الطالبات

تقول نينا: خلال شهر رمضان المبارك، وعلى مدار الأعوام التي قضيتها في الجامعة، سعت إدارة السكن إلى تهيئتنا لاستقبال هذا الشهر الفضيل، من خلال تجهيز المطعم بالجلسات الشعبية والتراثية وتزيينه، وعمل قائمة طعام تتضمن المأكولات الخليجية والعربية المناسبة لهذا الشهر في السحور والفطور، إضافة إلى إرسال الطالبات المسلمات يومياً إلى المسجد لأداء صلاة التراويح، ومشاركة الإدارة، الطالبات في إفطار جماعي، تقوم فيه موظفات الإدارة بمشاركة الطالبات في الإفطار وتجهيز المأكولات البيتية التي تحن وتشتاق لها الطالبات المسلمات، كما تقوم الإدارة بعمل جدول خروج للحدائق والمراكز التجارية للاستمتاع بأجواء الشهر الفضيل، وكأنهن في بلادهن.

هوية إماراتية

تعتقد نينا أن الطالبات الإماراتيات يمتلكن مهارة تكوين الصداقات والترحيب بضيوف من ثقافات الأخرى، خاصة خلال شهر رمضان الكريم، في سبيل تغذية معارفهن وصالتهن بالقادمات من عوالم مختلفة في العادات والتقاليد، إلى جانب حرصهن على توثيق هويتهن في كل المواقف، من خلال أزيائهن التقليدية، وتعريفنا بمورثهن الحضاري، المتمثل في المأكولات الشعبية التي يحرصن على تحضيرها كلما سنحت الفرصة، وفي كثير من المرات يجلبن معهن من المنزل بعد انتهاء عطلة الأسبوع الكثير من الهداية لنا، كالبخور والعطور وبعض الجلابيات المحلية الطراز، والتي يطلق عليها «المخور»، حيث يعبرن من خلالها عن احترامهن واعتزازهن بعروبتهن وانتمائهن لمحيطهن الخليجي، وبما أن الأزياء خير لسان يُعبر عن الأمة وعاداتها وتقاليدها وتراثها، يحرص أهل الإمارات على الحفاظ على أزيائهم التقليدية، لذلك، كنا نرتديها بفرح وسرور كبيرين، وما زلت احتفظ بتلك الملابس إلى اليوم، فهي ذكرى غالية من أخوات وصديقات قلبهن عامرة بالخير والعطاء.

حلقة وصل

تقول نينا: «فالك طيب»، من أكثر الجمل في اللهجة المحلية التي أعشقها وتعلمتها، نظراً لتكرارها أمامي من قبل زميلاتي في السكن، كلما طلبت شيئاً ما أو سألت عن حاجة لي، وتعلمت من صديقاتي الإماراتيات، أنها جملة متوارثة، لبيان أن طلبي سوف ينفذ دون نقاش وفي الحال، وتعبر عن صفة «الشهامة والنخوة»، التي تجري في عروقهن، والمتمددة منذ آلاف السنين، كانعكاس لتقاليدهن البدوية والعربية التي ورثنها عن أجدادهن، فالإماراتيات يحرصن كذلك على إحياء تراثهن، والحفاظ عليه عبر الأجيال، من منطلق إيمانهن بأنه حلقة الوصل النابضة بين الماضي والحاضر، التي تحمل في طياتها حياة الأجداد والآباء، ليبقى التواصل مستمراً بين القديم والحديث.

الاحتشام سلوك

تعتقد نينا أن ثقافة الاحتشام المتأصلة في المجتمع الإماراتي، ليست بغريبة عنها، ولم تستنكرها، فهي أيضاً من أساسيات موطنها وشعبها، على الرغم من اختلاف المعتقدات الدينية، فالاحتشام لا يقتصر على الملابس فقط، بل هو سلوك أصيل متأثر بالبيئة وعاداتها، ولم أجد صعوبة في مجاراة هذا السلوك الحميد، وأصبحت أقرب إلى فهم الطبيعة الاجتماعية لسكان الإمارات، وهذا مهد لي قراري بالاستقرار والتعايش في هذا المجتمع الراقي بأخلاقه.

نبض التسامح

ومن جانب آخر، ترى نينا أن الإمارات من أكثر بلدان العالم النابضة بالتسامح والسعادة، وتعتبر أن قياسهما أمراً مهماً لمستقبل تنمية البلاد في كافة القطاعات الحيوية، وأن حلم كل فرد هو السعادة.

فإن لم يكن المواطن سعيداً في حياته، فسوف ينعكس ذلك سلبياً على أدائه الوظيفي، ومن ثم سوف يسود جو من الإحباط العام للمجتمع، فيتراجع فكر الابتكار والإنتاج، ما يساعد على تكوين فكر متطرف في كثير من الأحيان.

تعايش وتآلف

الحديث عن ثقافة السعادة والتسامح لا ينفصلان، فهما نواة التعايش والتعاون، وبارقة الأمل للشعوب في مستقبل أفضل على يد شباب طموح وواعد، مبدع في الأفكار، وقادر على تطبيقها على أرض الواقع.