
لم تكن التقاليد والعادات الإماراتية خلال شهر رمضان المبارك غريبة على الفرنسي كريستوف نيكيز، الرئيس التنفيذي لدى «أحمد صديقي وأولاده»، الموزع الأبرز لأرقى الساعات السويسرية في المنطقة، فهو من مواليد باريس 1966، وقضى معظم طفولته في المملكة العربية السعودية مع عائلته، وخلال 8 سنوات هناك، تعلم الكثير وفهم جوهر الموروث الإسلامي، من خلال الأصدقاء العرب والمواطنين الذين حرصوا على أن يدرك بقلبه وعقله أن الدين معاملة، ويقول عن تجربته باختصار إن «الشرق الأوسط علمني أن الدين معاملة والأخلاق هي الجوهر»، ويثني على مبدأ التسامح في دولة الإمارات ويقول عنه إن «الوسطية الدينية والتقاليد العربية الأصيلة هما منبع التسامح في الإمارات».

الإيمان الحقيقي
يقول كريستوف: اخترت أن تكون مدينة دبي منزلي ومحور حياتي بالكامل، ولم أجد صعوبة في ذلك بل على العكس تماماً، فلقد استفدت كثيراً من العيش في المملكة العربية السعودية، حيث فتحت الثقافة العربية والإسلامية ذراعاها لي، وأوجدت الكثير من الإجابات الشافية والمنطقية والكافية لتؤثر في وجداني وعقلي كمراهق في ذلك الوقت، وكان لها بالغ الأثر في تكوين قناعتي الخاصة، ومنها أن الإسلام في جوهره يعتبر الإيمان الحقيقي مجسداً في حسن الأخلاق والفضائل.
مكافحة الكراهية
ويضيف كريستوف أن مظاهر التسامح في الإمارات منبعها النزوع إلى التدين الوسطي، وتقاليد القبيلة وقيمها، وبعض «القوانين» المطبقة، لاسيما التي تم استحداثها أخيراً مثل قانون مكافحة الكراهية والتمييز، إلى جانب الإدراك المتبادل لكل الموجودين على أرض الإمارات، من مواطنين ومقيمين، ساعد على تجنب العواقب الوخيمة للتعصب، وآثار الانحياز التام للخلفيات الضيقة التي انحدر منها كل شخص مدمرة، لكن تبقى هذه المنابع في حاجة ماسة إلى ما يغذيها دوماً حتى تظل قادرة على تعزيز التسامح، ويؤمن كريستوف بأن أهم أسباب تقدم الإمارات هو أنها بلد متعدد الثقافات.
ولكن في رأيه هنالك فوائد لهذه التعددية تتفوق على المضار، إذ يجري دائماً الرفع من شأن قيم التسامح والاحترام المتبادل. علماً أن التعددية الثقافية تُزاوج بين وجهات نظر وخبرات مختلفة من سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوق وتعليم وغيره ما يثري الثقافة المجتمعية وينعكس إيجاباً على الوضع العام.
قيم إنسانية
ويضيف كريستوف: لقد لاحظت خلال إقامتي في الدولة أن «قيمة التسامح» تعلو على ما عداها من قيم، في مجتمع مركب إلى حد بعيد، ويحوي جنسيات تنتمي إلى كل دول العالم تقريباً، ومع هذا يمر كل شيء على ما يرام، قياساً بما يحدث في مجتمعات أخرى، تركيبتها السكانية أقل تعقيداً، ومع هذا تعاني من التعصب الشديد، إن الإمارات يعيش على ترابها أناس ينتمون لما يزيد على مئتي جنسية من مختلف الأعراق والألوان والمذاهب والأديان يمارسون حرياتهم الدينية ويقيمون شعائرهم في معابدهم ويقومون بدورهم في خدمة الوطن بروح التسامح والتعاون، فمنهم العامل والتاجر والموظف والمزارع والخبير والطبيب والمهندس والمدرس والعاملون في غير ذلك من المجالات.

تمازج الثقافات
ويؤكد كريستوف أن مدينة دبي تعتبر من المدن المتنامية والمتغيرة باستمرار التي لم تتجاهل ثقافتها العربية، فخلال السنوات الثلاث الماضية فقط شهدت هذه المدينة توسعاً كبيراً وسريعاً، ولقد كان لفوزها بشرف تنظيم معرض إكسبو 2020 أثر كبير في التعريف بهذه المدينة، حيث إن هذا الحدث وضع دبي في دائرة الضوء في العالم ودفع القائمين عليها للعمل على جعلها أول وجهة حقيقية ذكية في العالم، ففي اليوم الذي يجري تعميق العولمة على نحو مستمر يتهيأ في العالم كثير من العناصر والظروف الصالحة لتمازج الثقافات، منها التبادلات الثقافية المكثفة والتمتع المشترك بالموارد والنقل المتبادل للمعلومات ونقل اللغة المشتركة للتكنولوجيا وتقنيات الإنتاج العلمي، في ضوء هذه العناصر والظروف تتفاعل الكتل الثقافية وتبقى معتمدة بعضها على بعض وتتقدم إلى الأمام باستمرار، فإن الثقافة العربية الإسلامية ستتمازج بالتأكيد كما كانت عليه مع الثقافات المميزة الأخرى لتحقيق تطورها المتواصل.
قيمة التراث
ويشير كريستوف إلى أن في مفردة تراث معاني رحبة، فالتراث أولاً هو تاريخ شعب وبلد بأكمله، وهو أيضاً اللغة. ويستعير قولاً لنيلسون مانديلا فيه: «عندما تتحدث إلى إنسان بلغة ما فالكلام يذهب إلى رأسه، أما إذا حدثته بلغته الأصلية فإنك تصل إلى قلبه». وبالنسبة لدولة الإمارات فموروثها من فلكور شعبي من قصص وأدب وحكايات متداولة وطرازها المعماري على مر العصور وحتى روايات الخرافة هي بالنسبة لشعبها روح ملهمة ويجب الاعتناء بهذه الروح ونقلها إلى الأجيال القادمة.
سنة التمر
ويقول كريستوف: ومن العادات الإسلامية الحميدة التي أقدرها هي الإفطار على التمر والماء، حيث تعلمت من أصدقائي أن الإفطار على التمر الذي هو سنة عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يفطر قبل أن يصلي على التمر، ومن هنا كما علمت واظب المسلمون على أن يجعلوا بداية فطورهم بعد صيامهم على التمر، وذلك لأنهم فقدوا ما ادخروا من سكريات خلال ساعات صومهم، وإن نقص نسبة السكر في الجسم أثناء الصيام هي التي تسبب الإحساس بالجوع وليست قلة الطعام والشراب، حيث يعوض التمر السكر المحترق في الدم نتاج الحركة وبذل الجهد فلا يتعب الصائم ناهيك عن أنه يقوي الكبد والقلب والدم لما يحتويه من منجم معادن سهلة وسريعة الامتصاص فخلال ساعة يهضم التمر كالعسل.

طقوس المائدة
ويرى كريستوف أن المأكولات الإماراتية التقليدية تحظى بتنوع كبير وتجمع بين المعاصرة والموروث ودقة ومهارة الاعداد لأكلات شعبية خاصة به تتوارثها الأجيال، ولا يزال المواطنون والمقيمون يتناولها على الإفطار بكثير من الشهية والفخر، ويقبلون عليها دون غيرها عندما تقام الموائد في المناسبات والدعوات، وهي تراث جميل حافظ عليه أبناء الإمارات إلى يومنا هذا على الرغم من وجود الوجبات السريعة.
في شهر رمضان يحرص الإماراتيون على استحضار روح وطقوس موائد آبائهم وأجدادهم، حتى يخيل للمرء أنه يشم رائحة أطباق قفزت فجأة من سبات الماضي لتحط رحالها فجأة على مائدة إفطار رمضانية في مطلع الألفية الثالثة، وهو استحضار لا يتم لأطباق الطعام التراثية وحدها، وإنما يجري استدعاء كل ما يحيط بهذا الطقس الديني والاجتماعي من أنشطة ترى الحياة وقد دبت فيها فجأة، ومن أبرز سماتها العمل الجماعي في تحضير المائدة الرمضانية، حيث تجتمع نساء معظم الأسر والأقارب وحتى الجيران للاشتراك في تحضير أطباق الإفطار منذ فترة مبكرة من النهار تصل إلى ذروتها قبيل وقت قصير من موعد اذان المغرب.
لحم الإبل
ويشير كريستوف إلى أن الأطباق المعدة من لحم الإبل والتي تذوقها للمرة الأولى في الإمارات، هي المفضلة لديه، وذلك لما يتمتع به من تنوع وجودة وطعم رائع، وهو مؤهل لصدارة الموائد العالمية كخيار مثالي لأنواع اللحوم الفاخرة المفضلة حالياً، قائلاً: تذوقت لحم الإبل للمرة الأولى بحفل شواء إماراتي في فندق روتانا جزيرة ياس، على هامش فعاليات «مهرجان فنون الطهي أبوظبي»، الذي نظمته هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وتضمنت القائمة العديد من وصفات الستيك والبرغر والكفتة المصنوعة من لحم الإبل.
وأشار كريستوف إلى أنه لم يكن يعرف أن لحم الجمال صالح للأكل، ولكنه اكتشف مذاقه اللذيذ، وأنه يشبه قطع لحم البقر الطرية الفاخرة، مع طعم حلو مميز يتجنب النسيج الرخامي الصلب واللمسة الدهنية للحم البقر، وقال: «قطع لحم الجمال الطرية أفضل طعماً وأكثر تنوعاً من شرائح لحم البقر».
إفطار جماعي
يعتقد كريستوف أن الإفطار الجماعي هو من أجمل الطقوس الرمضانية التي تثير اهتمامه، لما يتضمنه من تجديد التواصل وغرس المودة والإخاء، وتبادل الأحاديث بين الأهل والصدقاء والجيران، وهي فرصة للتسامح والنقاش وتقريب وجهات النظر وتضييق مساحة الخلافات، واكتشاف جوانب عديدة في شخصية الآخرين التي تميل إلى الهدوء وإبراز الطاقات الإيجابية المستمدة من روحانيات الشهر الفضيل.
