طلال الراشد.. يعكس التواصل الإنساني الحضاري عبر موائد الطعام

شباب طموح، لم يكتفِ بالأحلام والأمنيات، ولم يقف مكتوفي الأيدي أمام الصعاب، تحدوا المستحيل؛ فكان لهم ما أرادوا، وكان النجاح حليفهم؛ مشاريع محلية وإقليمية وأخرى عابرة للقارات، تحمل أهدافاً إنسانية واقتصادية، وتصنع الأمل في المجتمعات، لشباب عربي ملهم يضيء دورب النجاح بإرادة تصنع المعجزات.

 

«الأمر يشبه رابطة خاصة جداً. محبو المذاقات المنفتحون على اكتشافها من مطابخ مختلفة في العالم، والذين يرغبون في أن يلتقوا على مائدة واحدة لكي يتبادلوا القصص عن هذه الاكتشافات». هكذا يلخص خبير الضيافة والمؤثر على التواصل الاجتماعي الكويتي المقيم في دبي، طلال الراشد، فكرة مبادرته التي تحمل اسم «ذا كونتوراج» والتي انطلقت قبل سنوات في الكويت، لكنها «أخذت شكلها المتنوع والعالمي انطلاقاً من الإمارات، حيث تنوع الجنسيات، وأيضاً سهولة الوصول إلى أي من المنتجات، إضافة إلى الدعم الذي تحظى به المبادرات المبتكرة التي تهدف إلى عكس صورة حضارية مشرقة عن الدولة».

فن الضيافة

بعد دراسة علم وفن الضيافة في أحد أرقى الجامعات المتخصصة في هذا المجال وهي «أكاديمية غيليون» في سويسرا، سعى الراشد إلى الاستفادة من الدراسة الأكاديمية وصقلها بخبرة على أرض الواقع: «رغبت بأن أبدأ من الصفر، لا أن أهبط بمظلة على عالم الأعمال. أحببت منذ طفولتي الطعام، ولديّ ذكريات مرتبطة دوماً بتواجدي إلى جانب والدتي في المطبخ، وهي كان بوسعها أن تحضّر بشكل سريع أطباقاً كاملة الجودة والفائدة والأناقة في التقديم. ومن يحب الطعام لا يترفع أن يغمس يديه ووقته وأيامه فيه. بدأت أعمل نادلاً، وكنت أغسل الأطباق، ومن ثم لاحظ مسؤولي في المطعم الذي عملت فيه مهاراتي في التواصل والتحدث مع الزبائن وتمت ترقيتي إلى مسؤول عن التواصل».

تنوّع دبي

اختار الراشد دبي لكي تكون المكان الذي يحقق فيه أحلامه: «وأين غير دبي بوسع المرء أن يختبر كل هذا التنوع بسهولة؟». أصبحت هوايته في البحث عن المطاعم في كل مكان، «من الفنادق الفاخرة إلى الأزقة الصغيرة في بر دبي والكرامة والديرة»، هواية جذبت انتباه المتابعين لحسابه على إنستغرام وسناب شات: «ثم نصحني أحدهم بأن أجعل حسابي متاحاً للعامة، وليس الخاصة فقط وهكذا فعلت». على مدى أربع سنوات، قام الراشد بما لا يقل عن ثلاثة آلاف زيارة، استغرقت 9 آلاف ساعة، قضاها في اختبار مذاقات الطعام في كل مكان في الإمارات وخارجها: «وجدت إقبالاً كبيراً من الناس على المتابعة وقد أحبوا أسلوبي الذي يجمع بين الترفيه والمعلومات الجادة، من دون الادعاء أنني ناقد مخضرم أو رحّالة. كل ما في الأمر أنني أبذل جهداً ومالاً للبحث عن أفضل الخيارات من ناحية مكونات الطعام، إضافة إلى الخدمة الممتازة، والمكان الذي يمتلك روحاً خاصة».

جسور التواصل

وكانت «مائدة ذا كونتوراج» هي التطور الطبيعي لتلك المرحلة. يشرح الراشد اسم «كونتوراج» موضحاً أنها كلمة فرنسية مشتقة من كلمتين هما كونتور واونترواج وتعني الإطار والمجموعة، وقد اخترت الاسم لأنه يعبر عن مبادرتي التي تتمحور حول جمع شخصيات من أطياف ومهن وجنسيات وثقافات مختلفة على مائدة طعام واحدة ومد جسور التواصل بين المدعوين ومنحهم فرصة تكوين شراكات إنسانية، وفي بعض المرات مهنية تهدف إلى إحداث تغيير إيجابي في المجتمع».

المحبة والتسامح

باتت مبادرة الراشد، الذي يتقن التحدث بست لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والتركية، من الأهم في مجالها، ولفتت أنظار جهات استراتيجية عملت جنباً إلى جنب معه مثل: «هيئة السياحة والتسويق التجاري في دبي» و«هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة» وحكومات ألمانيا وبريطانيا ومصر والسويد واليابان إضافة إلى مئات شركات الضيافة والأزياء والسيارات العالمية. قيل دوماً إن أقرب طريق إلى قلب الناس هو طبق الطعام، وأنا أقول إن تشارك الطعام على طاولة واحدة هو أقرب الطريق إلى تذليل كل عقبة بين الناس وخلافاتهم باتجاه تضامن إنساني واحد يستند على فكر المحبة والتسامح.

يخوت وغزلان

يقول صاحب مبادرة «ذا كونتوراج» إنه يختار الأمكنة التي يقيم فيها فعالياته بناءً على معايير مختلفة من بينها أصالة المكان وتجسيده لعناصر بيئته الحقيقية، وارتباطه بنوع تجربة الطعام المقدم وطبيعة رواد المائدة: «ذات مرة كنا في الصحراء محاطين بالغزلان وكان التمر وحليب النوق مكوناً رئيسياً في الأطباق، وذات يوم قد نجتمع في غاليري فني يعرض لوحات بملايين الدولارات وتكون الأطباق مستلهمة من الفن. نظمت أيضاً موائد في أماكن للتأمل واليوغا وأخرى على ارتفاعات شاهقة من الأبراج».

أبعد من المائدة

يقول طلال الراشد إن في صلب فكرة الاجتماع حول مائدة «ذا كونتوراج» هو فتح قنوات للحوار بين جنسيات قد تكون في بلادها الأصلية على مسافة من النفور والعداء، ثم تكتشف أن الكثير مما تظن أنه حكر على ثقافتها موجود في الثقافات الأخرى: «الخروج من النظرة التحيزية الضيقة هو الدرس الذي تعلمه دبي والإمارات للجميع، صغاراً وكباراً. وأن الجميع بوسعه أن يتضامن من أجل الازدهار. على موائد الطعام نميل لكي نتخفف ونكون على سجيتنا ونلقي النكات ونروي القصص، وأنا رغبت بأن أذهب بهذا الجو إلى مستويات معمقة ومستدامة وعدم جعله ينتهي بمجرد انتهاء المناسبة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات