صانع الأمجاد

زايد حوّل رحلات الصيد إلى اجتماعات مفتوحة

في هذا نسرد ما يمكن استخراجه من سجل الذكريات بكل ما هو مفيد في المجال الرياضي، حيث كان -رحمه الله- رياضياً بالفطرة، يمارس من الرياضات ما يتناسب مع ميوله العربية الأصيلة، وشخصيته الهادئة الرصينة.

استكمالاً لاهتمامات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، برياضة صيد الصقور وترسيخها كإرث للأجيال القادمة، نلقي اليوم الضوء على هذه الرياضة التي أحبها -رحمه الله- وحبب فيها أهل الإمارات، حيث كانت هي الهواية الأقرب إلى قلبه، وقد مارسها داخل وخارج الدولة، رغم تعدد مشاغله ومسؤولياته، واستطاع بحكمته وذكائه الفطري تحويل أوقات ممارسة الصيد بالصقور إلى وسيلة لتوطيد علاقات المسؤولين في الدولة، وتحويل «المقناص» إلى اجتماع مفتوح بعيداً عن الأجواء الرسمية للتباحث في بعض الأمور، وتبادل الآراء والاستماع إلى شخصيات تعمل في مجالات مختلفة للتعرف إلى وجهات النظر كافة.

لذلك.. أحب -رحمه الله- القنص، وكان يخرج مع من هم أكبر منه سناً حتى يتعلم منهم.

ويقول عن ارتباطه بهذه الرياضة: «منذ زمن مضى وكان عمري في ذلك الوقت نحو 12 عاماً كنت أتصيد بالبندقية، وأذكر وقتها أنني لصغر سني كنت لا أقوى على حملها كثيراً، بل كنت أعتمد على ساتر أو أي شيء آخر، لقد أحببت القنص، وأخذت أمارسه وأخرج كثيراً للصيد مع من هم أكبر مني سناً، وأتعلم منهم، وحينما بلغت الـ16 كنت قد تعلمت الصيد بالصقور، فشرعت أزاول الصيد بالاثنين معاً، بالبندقية حيناً وبالصقر حيناً آخر، وعندما بلغت من العمر 25 سنة كان قد مضى وقت من الزمن في تعلّم أصول الصيد وفنونه، في هذا الوقت فضلت الصيد بالصقر على ما عداه، وأقلعت عن استخدام البندقية في صيد الحيوان».

كما قال رحمه الله: «إن هذه الرياضة تمثل وسيلة للتخلص من هموم العمل اليومية وجلي النفس، فضلاً عن أهميتها في اكتساب مهارات بدنية واجتماعية».

وتذكر كتب المقانيص أن التدريب على القنص لم يرتبط فقط على تعليم الجارح كيف يصيد ثم إطلاقه للظفر بالطرائد فيأتي بها، بل لها جانب آخر في غاية الأهمية، وهو ضرورة تحلّي المدرب بالخبرة الكافية بطبيعة الطيور التي يجيد صقره اقتناصها ومعرفة أماكنها وتجمعاتها وأساليب تخفّيها بعيداً عن عيون الصقور، كما لابد أن تكون لدى الصياد حاسة لتقفّي آثار الطيور البرية وتحديد عمر هذه الآثار وعما إذا كانت قديمة أم حديثة.

ولآثار الطيور علامات تعرف من أقدامها على الأرض مثل الحبارى والكروان وما شابههما من الطيور البرية، فإذا كانت آثار الأقدام في الرمال واضحة جلية التفاصيل ومتماسكة، فمعنى هذا أنها حطت قريباً، ولم يمر عليها وقت طويل، أما إذا كانت مطموسة ولعبت بمعالمها الرياح فهذا يؤكد أنها قديمة ومر عليها وقت طويل، وهناك آثار أخرى يستدل منها على وجود هذه الطيور البرية في المنطقة التي يبحث فيها الصقار وهي «ذرق» الطيور، فإذا كانت متماسكة وصلبة فهي قديمة وإذا كانت لينة وطرية فهي حديثة.

ولم تقف خبرة أهل الإمارات عند حد التدريب واستخدام الصقر في القنص فقط، بل تعدتها إلى حيث معرفتهم بالأمراض التي تصيب الصقر وكيفية علاجها بكل دقة.

وتقدر أنواع الصقور بأكثر من ‏270‏ نوعاً تعيش في جميع القارات عدا القطبية الجنوبية، وتمتاز بحدة النظر؛ إذ إن قوة أبصارها تعادل 8 مرات قوة الإنسان، كما أنها تحدد مكان الفريسة من بعد ‏100 قدم، وتطير بسرعة تصل إلى 320‏ كيلومتراً في الساعة.

ومن أنواعها: «الصقر الحر» وهو ثلاثة أنواع: «الحر الكامل» و«القرموشة» و«الوكري الحرار»، وهذا النوع يعد أقوى الطيور وأكثرها صبراً على الجوع والتحمّل سواءً على الأرض أو في الجو.

أما «الشواهين» فهي من جنس الصقر وتفضل العيش على الشواطئ وتتغذى على طيور الماء، وهي من أسرع الصقور في صيدها، ومن أنواعها «الشاهين الكامل» و«الشاهين الوكري» و«الشاهين الخميس» و«الشاهين التبع»، وهناك أيضاً «البيزرة» اشتقاقاً من اسم طائر الباز أشهر أنواع الصقور.

وتعد «الحبارى العربية» من الطيور الجميلة والفرائس التي يحلو للصقر اصطيادها، ومتوسط طولها 70 سنتيمتراً، وهي مرقطة بالذهبي والأبيض والأسود والأحمر الذي تشوبه كدرة، وميزتها أن لها ثلاثة أصابع في كل رجل، وهو ما يستدل به على مكمنها ويظهر بسهولة فوق الرمل وطعامها الحشرات الكبيرة والأعشاب الطرية، وهي دلالات أخرى على أماكن وجودها، وتعيش إما زوجاً أو في سرب من 4 أو 6 وتصل أحياناً إلى 10 طيور.

ويستخدم كل صقار في يديه أو ذراعه ما يسمى المنقلة أو المنجلة، كدرع واقية من مخالب الصقر وبها يحمل طيره على يده طوال الوقت، وهي عبارة عن قطعة من القماش السميك محشوة من الداخل بالخيش أو القماش الطري المكسوّ من الخارج بالمخمل، والفتحتان مكسوتان بالجلد الطري أو البلاستيك الرقيق والمنجلة في مجمل صنعها سميكة وقوية تحمي يد الصقار، كما أنها لينة لا تؤذي مخالب الطير.

غداً نستكمل السيرة والمسيرة حول صناعة الأمجاد للوالد المؤسس رحمه الله.

270

تتعدد أنواع الصقور بما يزيد عن ‏270‏ نوعاً تعيش في جميع القارات عدا القطبية الجنوبية، وتطير بسرعة تصل إلى 320‏ كيلومتراً في الساعة، وقوة إبصارها يعادل 8 مرات قوة الإنسان.

تعليقات

تعليقات