الكفارة لغة من الكَفْر وهو الستر والتغطية، كما يكفُر الزارع البذر أي يغطيه بالتراب لينبت، والأعمال الصالحة تكفّر الذنوب والخطايا أي تغطيها فلا تظهر في مقام المحاسبة.

وقد جعل الله تعالى لعباده كفارات كثيرة تطهرهم من خطاياهم وسيئاتهم التي ألمُّوا بها بحكم بشريتهم كما في الحديث القدسي الذي ثبت في الصحيح عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه قال : يقول الله، عز وجل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلّكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».

إلا أن الرحيم الرحمن وإن كتب على ابن آدم الخطأ فإنه قد فتح له أبواباً كثيرة تكفّر هذه الخطايا وتمحو أثره، منها الصلاة والصيام والحج كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» وقال صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»

فالصلوات الخمس مثل النهر الجاري المتجدد، وهو متاحٌ لكل مكلف، كما شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا».

فهذا فضل الله تعالى متجدد على العبد في ليله ونهاره، بخلاف الجمعة فإنها لا تأتي إلا في الأسبوع، وقد لا يدركها المرء لموت أو عذر، وبخلاف رمضان فإنه لا يأتي في السنة إلا مرة واحدة، وكثير من الناس قد لا يدركه، فإن أدركه كان كفارة لعامه، وبخلاف الحج فإنه لا يأتي إلا مرة في العمر، وكثير من الناس لا يستطيعه أو لا يدركه.

وقد قال أهل العلم: إن الذنوب كالأدواء، فلكل داءٍ دواءٌ، فمن الذنوب ما لا يكفرها إلا الصلاة، ومنها ما لا يكفرها إلا الجمعة، ومنها ما لا يكفرها إلا الصوم، ومنها ما لا يكفرها إلا الحج ومنها ما لا يكفرها الصدقة.

ومع ذلك فإن لشهر رمضان مزيةً في التكفير قد لا توجد في غيره، وهي أنه يكفّر ما تقدم للمرء من إساءات كما قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقد تكررت هذه المزية لقيامه وقيام ليلة القدر منه.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه».

فهذه ثلاث مزايا لهذا الشهر الكريم في غفران ما تقدم من الذنوب، فإن أخطأته مزية لم تخطئه الأخرى، فإن أخطأته الجميع فهو المحروم المرغم أنفُه كما ثبت في الحديث، الذي رواه مالك بن الحويرث، عن أبيه، عن جده، قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقي عتبة قال: «آمين» ثم رقي عتبة أخرى فقال: «آمين» ثم رقي عتبة ثالثة، فقال: «آمين» ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد، من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قلت: آمين، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما، فدخل النار، فأبعده الله، قلت: آمين، فقال: ومن ذكرتَ عنده فلم يصل عليك، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: «آمين». فصلوات الله وسلامه عليه فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.