لقد رُكِز في جبلّة البشر حبُّ الأوطان والشغَف بالمنشأ، وهذا الحب فطرةٌ ثابتةٌ في حنايا النفوس متجذِّرةٌ في شغاف القلوب، ووطن المرء: أرضه التي بها وُلد، وعليها تربى، وعلى تربتها درج، وبخيراتها نعِم، وفي محاضنها نشأ . وإذا كانت الإبل تحنُّ الى أوطانها والطير إلى أوكارها فكيف الأمر إذًا بهذا الانسان.

إن هذا الحب الجبلي للأوطان سببٌ لعمارتها وسلامتها من الخراب؛ روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لولا حب الوطن لخرِب بلد السوء»، وكان يقال: «بحب الأوطان عُمرت البلدان».

ويروى عن ابن الزبير أنه قال: «ليس الناس بشيءٍ من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم». وقيل: «كما أنَّ لحاضنتك حقَ لبنها، فلأرضك حُرمةَ وطنها».

لقد دل القرآن الكريم على هذه المكانة لحب الأوطان وأنه أمرٌ مركوز في الفطَر جُبلت عليه النفوس، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ﴾ ؛ فقرن جل شأنه الجلاء عن الوطن بالقتل، وهو بمفهومِه يفيد أنَّ الإبقاءَ فيه عديلُ الحياةِ، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾؛ فجعل القتال ثأراً للجلاء .

وتأملوا حب النبي صلى الله عليه وسلم للوطن متمثلًا في أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أَنَسٍ قال: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا» أي من حب المدينة، لأنها وطنه المبارك وداره الطيبة، فعَل ذلك عليه الصلاة والسلام وفيه أكرم الأسوة .

وأمَر صلى الله عليه وسلم أمته سرعة الرجوع إلى أوطانهم عند انقضاء أسفارهم وحاجاتهم سواءً منها الدينية أو الدنيوية ؛ روى الشيخان عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ )) .

بل إنه عليه الصلاة والسلام دعا إلى الرجوع إلى الوطن ولو كان السفر إلى مكة بيت الله الحرام ؛ روى الحاكم بإسناد ثابت عن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلِ الرِّحْلَةَ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأَجْرِهِ)) ؛ قال العلماء المراد بأهله: أي وطنه وإن لم يكن له فيها ولد أو أهل.

والحبُّ للوطن لا يقتصر على المشاعر والأحاسيس؛ بل يتجلَّى في الأقوال والأفعال، وأجمل ما يتجلى به حبُّ الوطن الدعاء.

لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة، كما في «الصحيحين»: ((اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلتَ بمكة من البركة)).

وفي مسلم: ((اللهم باركْ لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعِنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلُك ونبيُّك، وإني عبدُك ونبيُّك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه)).

وقد دعا الإسلامُ إلى فِعل كلِّ ما يُقوِّي الروابطَ بين أبناء الوطن الواحد، ثم بين أبناء الأُمَّة، ثم بين بني الإنسان.